Islam & Science
الإسلام والعلم - أسئلة علمية كبرى من منظور اسلامي
تعليقات على مؤتمر عمان في 5-5-2016
بقلم: إسماعيل حمودة (دكتور الفيزياء في جامعة عمان الأهلية)
مقدمة
حضرت في مايو\أيار 2016 مؤتمرا علميا في الجمعية العلمية الملكية بعنوان "Islam & Science: Muslim Responses to Science’s Big Questions” أسئلة علمية كبرى من منظور اسلامي
نظم المؤتمر بالتعاون ما بين أكاديمية العالم الإسلامي للعلوم في عمان، ومركز الاسكوا للتكنولوجيا، والجمعية العلمية الملكية، ومؤسسة جون تمبلتون، ومبادرة العلم في العالم الاسلامي، والجمعية التركية لتاريخ العلوم والمؤسسة العلمية الثقافية التعليمية الإسلامية في المغرب.
ترأس المؤتمر (صديق الطفولة الذي كنت حتى يوم المؤتمر لم أره منذ أكثر من 35 سنة) الدكتور منيف الزعبي المدير العام لأكاديمية العالم الإسلامي للعلوم وتكلم فيه أيضا الدكتور فؤاد مراد (المدير التنفيذي لمركز الأسكوا) المعروف في برنامج "نجوم العلوم" التليفزيوني
تكلم في المؤتمر أعضاء في "القوة المشتغلة Task Force " التي يرأسها أكمل الدين إحسان أوغلو (رئيس منظمة المؤتمر الإسلامي السابق) والتي نشرت في المؤتمر تقريرا عن نقاشاتها وأبحاثها وتوصياتها في موضوع التوفيق "المصالحة" بين الإسلام والعلم Reconciliation between Islam and Science
يبدو أن المؤتمر كان حسن التنظيم. فهمت لاحقا أن الترجمة الفورية كانت متوفرة. ولكن الجو الاحتفالي كان غالبا. كان الجميع سعداء متوافقين (متوافقين في معظم الأشياء). كثير من الكلمات كانت مبتورة ولم يكن هناك اهتمام حقيقي لا بعرض عميق للأفكار المتخالفة ولا بمناقشة هذه الأفكار.
لم تصلني الدعوة للمؤتمر إلا قبل المؤتمر بنصف يوم. لهذا كان اطلاعي على تقرير "القوة المشتغلة" الأولي المشار إليه في الدعوة الإلكترونية سطحيا. الغريب أن معظم الحاضرين لم يكونوا، كما يبدو، مطلعين على التقرير الأولي وإلا كانوا أشعلوا نقاشات حامية (كما أحب نأأأنابأن أعتقد).
في هذه الورقة سأبسط الكلام على أكثر من نقطة رأيت اجتهادات الإخوة منحرفة فيها عن قناعاتي المؤكدة. كلامي قد يبدو موجها إلى مختصين في الفيزياء. نعم ... هذا ليس بعيدا لأن خمسة ممن حضر مؤتمر عمان كانوا فيزيائيين (تكلمت مع 4 منهم). وهناك عالم فيزيائي آخر في القوة المشتغلة.
انطباعاتي الأولية:
كانت عندي خيبة أمل كبيرة. العنوان هو "أجوبة الإسلام على أسئلة العلم الكبرى". كان المؤتمر تحت رعاية مؤسسة جون تمبلتون الذي أسسها كجهد منه ضد النزعة الإلحادية اللاروحية المغرورة للعلم الحديث. توقعت أن المؤسسة تريد من العلم الحديث أن يتواضع ويستمع لما قد يكون عند المسلمين من تعليقات مفيدة. الذي رأيته كان ردات فعل لعلماء مسلمين ملّوا من سخافات بعض "رجال الدين" المسلمين ومن تخلف العالم الإسلامي في مجال العلم الحديث
اتجاه الأطروحات كان في الغالب: "لا بد أن هناك خطأ ما في فهم الإسلام".... أو "لماذا لا نُحيّد الإسلام هنا ونترك العلم يقرر ثم نتبعه ونعيد صياغة الإسلام بناء على معطيات العلم؟" .... أو "الإسلام هو دين ... لا دخل له بالعلم ... أما إذا كنت تبحث عن معنى للحياة أو عن الأخلاق فعليك بالدين"
ذكرني هذا بطه حسين في ردة فعله الحادة عندما قارن التخلف في العالم العربي بالحضارة الغربية :"إذا أردنا التقدم فيجب علينا أن نأخذ بالحضارة الغربية بحلوها ومرها"
فقط سؤالان كبيران من أسئلة العلم الحديث كان لهما نصيب من نقاش في كلمات المتحدثين: نظرية التطور البيولوجية ... ونظرية الانفجار الكبير في الفيزياء الكونية.
بالنسبة لنظرية التطور أخبرتنا الدكتورة رنا الدجاني (التي لا تشك بأن التطور البيولوجي (حتى للإنسان) حقيقة علمية ثابتة لا يمكن أن تعارض الدين) كيف تعلم نظرية التطور لطلابها في الجامعة ...
أما بالنسبة لنظرية الانفجار الكبير فقد لخصها الفيزيائي الجزائري .... بشكل جيد وحث المسلمين على دراستها والمساهمة فيها كما فعل الراهب المسيحي لوميتر. ثم ذكر نظريات العوالم المتعددة ورأيه الخاص بكون هذه النظريات غير مرضية من الناحية العلمية. لم يتطرق للأسباب الفلسفية التي دعت بعض العلماء لتبني هذه النظريات في محاولة لتفسير الدقة المتناهية في ضبط ثوابت الكون (Fine Tuning) والهروب من إلزامات حجة النظام في الكون (Design Argument). أيضا كانت هناك فرصة للحديث عن الحجة الكونية (Cosmological) في إثبات سبب حدوث الكون. (عندما سألته أخبرني أنه يحب الكلام في العلم لا في الفلسفة)
مساهمة الدكتور الصديق محمد باسل الطائي عن دقيق الكلام (أنا مطلع على موضوعاتها في كتاب الدكتور الطائي) كان من الممكن أن تشكل ركنا مهما في النقاش، فهو الوحيد الذي بيّن كيف يمكن لنظرية مستمدة من الفهم الإسلامي العقدي لتركيب الكون أن تساهم في فهم الفيزياء الحديثة. وهو الوحيد الذي أظهر معرفة بالمدارس الإسلامية الكلامية (التي أهمل المؤتمر الرجوع إليها تماما ولكن كانت في التقرير إشارات سريعة غير عميقة لها) ولكنه تنصل بسرعة من جليل الكلام لأنه يعتقد أن مواضيعه أدت إلى صراعات تاريخية محزنة مثل مسألة "خلق القرآن". المشكلة في طرح الدكتور الطائي تكمن في أن جليل الكلام هو الأصل المبني على البراهين العقلية والدينية، بينما دقيق الكلام هوالفرع الموضوع لخدمة جليل الكلام في نقاش مسائل عقلية محددة والذي يمكن أن يستفيد من براهين جليل الكلام. مثلا، يريد المتكلمون البرهنة على وجود واجب الوجود فيبدأون بمفاهيم مثل الحادث والجوهر والسبب ثم يحاولون البرهنة على أن سلسلة الأسباب المسببة لحدوث الجواهر لا يمكن أن تكون غير منتهية بل يجب أن تنتهي بواجب الوجود بعد عدد نهائي من الأسباب. يحتاج المتكلمون إلى منع عدد لا نهائي من الأسباب في السلسلة. يحتاجون إلى البرهنة على أن التسلسل ممتنع. الآن يجتهد المتكلمون في وضع "براهين" عقلية تفيد باستحالة خروج مالانهاية من الجواهر إلى الوجود. استحالة تحقق المالانهاية (actual infinity) يؤدي إلى القول بالذرّية (atomism) في دقيق الكلام. إذاً الأصل هو جليل الكلام والفرع هو دقيق الكلام. بدون هذا التأصيل يبدو البحث في دقيق الكلام قريبا من تصيّد بعض عبارات العاملين فيه التي يمكن أن تسوغ لنا الآن من الناحية العلمية. قد لا تكون عبارات منفصلة بل قد يبدو أنها متكررة توافق عليها الكثيرون. هذه ظاهرة تاريخية مسلية تسترعي الانتباه. ولكنها ليست ضرورة عقلية تفرض علينا تبنيها في الوقت الحالي. طرح الدكتور الطائي يصب في هذه القناة: "التراث الإسلامي يحتوي على تأملات عميقة فيها قدر كبير من الوجاهة بمنظور العلم الحديث". ولكنه لا يصل البتة إلى:" العقيدة الإسلامية تفرض منظورا علميا محددا". إذاً ما أهمية طرح هذا الموضوع في مسألة التوفيق بين العلم والدين؟ جواب الدكتور الطائي هو أننا هكذا نتوجه إلى رجال الدين بلغة يفهمونها. أشك في أهمية ذلك. باختصار، أنا أدعو للرجوع إلى جليل الكلام، إلى البناء المنطقي العقلاني للعقيدة الإسلامية. هنا تفرض العقيدة الإسلامية منظورا لا يجوز للعلم أن يخالفه. الحوار يرتفع هكذا من توافق الدين مع العلم إلى توافق عقيدة فلسفية محددة مع العلم. (توافق الماركسية مع العلم؟ توافق الوجودية مع العلم؟ توافق الإسلام مع العلم؟)
مساهمة الدكتور نضال قسوم كانت بنظري أهم مشاركة لأنها صاغت مشكلة توافق الدين مع العلم (ولو بشكل مبتور) وأعطت فكرة عن الاتجاهات المختلفة في الحلول المقترحة (بشكل يشبه كثيرا ما كتب في التقرير – هو أحد مراجعي التقرير) وكان في مشاركته وضوح في الرؤية والطرح وحماس وجرأة في الانتصار للعلم الحديث ضد الخرافة والتخلف. أتاني شعور بأن الدكتور قسوم هو الصوت الأعلى في "القوة المشتغلة". لم أكن قرأت للدكتور قسوم أي شيء ولكني كنت حضرت محاضرة علمية له. الرجل متمكّن وحسن الاطّلاع وفصيح بالعربية والانجليزية (لا بد أنه فصيح بالفرنسية أيضا). غيرته على حال العلوم في العالم الإسلامي لا شك فيها. وصراحته في طرح آرائه الخلافية شجاعة وصادمة. أحب الحماس والجرأة ولكني أخشى منهما. شعرت أنني أمام طه حسين جديد. استنكرت حماسه للأخذ بالعلم في كل شيء (بدون تعريف واضح للعلم بخلاف أنه يجب أن يكون خاضعا لقابلية التخطئة (Falsifiability) ولمبدأ الالتزام المثودولوجي بالتفسير الطبيعي (Methodological Naturalism)) وقصر الدين على مسائل الأخلاق والبحث عن معنى للحياة. حاولت أن أتحدث معه ولكنه كان منشغلا مع غيري. بعد المؤتمر قرأت التقرير وشاهدت بعض أفلامه على اليوتيوب (حلقات برنامجه "تأمل معي" ممتازة لا تجد لها في الانتاجات العربية مثيلا). في التقرير يقول بصراحة إنه ينتصر لمبدأ الالتزام المثودولوجي بالتفسير الطبيعي تماما ويلتزم بكل نتائجه وتوابعه. (سأبين لاحقا خطر مثل هذا الالتزام.) ويبدو واضحا أنه لا يعتقد بالتدخل الإلهي في الطبيعة ويحاول أن يجد تفسيرات طبيعية للمعجزات ويرى (متابعة لابن رشد وغيره) ضرورة فهم القرآن الكريم فهما غير حرفي على مستوى أعلى من مستوى فهم العوامّ له. "لندع العوام يفهمون المعجزات بحرفيتها ولكن العلماء لا يجوز لهم أن يفهموا المعجزات بما يخالف قوانين الطبيعة أو مبدأ السببية". ثم إنه يقرر قولا لباحث غربي يرى في تجويز التدخل الإلهي الخاص المباشر (الخارج عن العادة Direct Special Divine Action) وصما لله تعالى بالظلم. وإلّا لماذا لم يتدخل لمنع محرقة اليهود (Holocaust)؟
التحدث بالانجليزية والانفصام: أنا مستغرب: لماذا كانت اللغة الرسمية للمؤتمر هي الانجليزية؟ لعل السبب وجود ضيوف ومتكلمين من غير الناطقين بالعربية (من انجلترة وباكستان). ولكن الترجمة الفورية كانت متوفرة. لعل السبب هو الالتزام بلغة التقرير. المهم في الأمر أن النتيجة كانت 1) أن المتكلم بالانجليزية كان يشعر بأنه يخاطب الغرب لا العرب 2) وأن السائل العربي كان يشعر بقيود تمنعه من الانطلاق في النقاش (أحيانا هكذا تضمن انضباطا والتزاما بحدود اللياقة). سابقا لاحظت بنفسي التغير الذي يعتري المتكلم العربي إذا تحدث بغير لغته وقد يصل إلى الانفصام. أكبر مثال على هذا التغير رأيته في هذا المؤتمر كان نبرة "التسامح والتواضع" في التكلم عن الإسلام كدين ما لا يختلف عن أي دين آخر. أنا أتوقع ممن ينبري للحديث عن مشكلة التوافق بين الإسلام والعلم أن يكون مسلما عن قناعة قطعية لا تقل عن قناعته بالحقائق العلمية. (هذا في أمور العقائد المعلومة من الدين بالضرورة). لا يكفي أن يكون مسلما بالوراثة أو مسلما بالثقافة بل يجب ان يكون باحثا عن الحق هداه بحثه إلى ضرورة وجود إله واحد واجب الوجود، خلق العالم من لا شيء، قادر على كل شيء، بضدّ مشيئته لا يكون شيء، يعلم كل شيء، لا يشبه المخلوقات في شيء، لا يحتاج إلى شيء،... وإلى أن سيدنا محمدا رسول الله المعصوم المبلغ عن رب العالمين وأن القرآن الكريم كتاب الله المحفوظ كل ما فيه حق مبين.. مسألة توافق الأديان مع العلم ليست مسألة توافق الإسلام مع العلم. و"التسامح والتواضع" ليسا هنا في موضعهما.
لا أشكك، والعياذ بالله، بإيمان أي من المشتركين. إنما كنت أتمنى أن أجد فيهم المتعمق في مسائل العقيدة الذي يجد نفسه في رحلة البحث عن الحق منتميا إلى مدرسة فكرية يتفق معها في الأصول وفي الإطار العام وفي طريقة الاستنتاج وقد يختلف معها هنا أو هناك. (هناك مدرستان فكريتان عقلانيتان محترمتان: المدرسة العدلية التي تضم المعتزلة والاثناعشرية والزيدية والإباضية وبعض الفلاسفة، والمدرسة الأشعرية الماتريدية الأكثر انتشارا – وهناك مدرستان غير معتبرتين هما المدرسة "الظاهرية الحشوية السلفية" والمدرسة "الباطنية الغنوصية"). لو كان مثل هذا المؤتمر يخص الدين المسيحي لوجدت مثلا بروفيسورا كاثوليكيا متخصصا في فلسفة الدين والعلم مبعوثا من الفاتيكان وآخر من البروتستانت الكالفينيين... الخ. ومثل هؤلاء الفلاسفة في العادة يكونون على اطلاع جيد بتطورات العلم الحديث وعلى قدرة جيدة على مناظرة علماء فيزياء وفلاسفة مخالفين. أذكر على سبيل المثال Craig, Moreland, Plantinga, Swinburne, Dembski, Reppert, Pruss, Polkinghorne, Koons …
كان في المؤتمر جو عامّ من اتهام المسلمين بالتخلف والشعور بالنقص. إحدى الطالبات في الجمهور (والغريب أنها كانت محجبة) اعتقدَتْ أنّها ستمشي خطوة واحدة أكثر من الذي نصح به الدكتور نضال قسوم عندما قال: "الإسلام هو دين ... لا دخل له بالعلم ... أما إذا كنت تبحث عن معنى للحياة أو عن الأخلاق فعليك بالدين". سألت الطالبة: "لماذا الدين؟؟ لماذا لا نبحث عن معنى الحياة في الفلسفة الوجودية مثلا؟"... للأسف لم يجب على تساؤلها أحد جوابا شافيا فيه غيرة على الدين وإشفاق من الكفر. (حاولت أن أجدها وأتحدث معها بعد انفضاض المحاضرة ولم أجدها)
أما بعد اطلاعي على تقرير "القوة المشتغلة" وعلى الأوراق الملحقة به، فقد اتضح عندي السياق الذي جاء به المؤتمر (رغم أني لا أزال أعتقد أنه يخالف العنوان) وفهمت ما وراء الكلمات المبتورة ... ولكن خيبة الأمل بقيت. هذه تعليقات مختلفة:
تعليقاتي
تخلف العالم الإسلامي في الوقت الحالي في الإنتاج العلمي: إذا كانت هذه هي المشكلة المطروحة، فإن البحث عن أسباب دينية إسلامية لهذه الظاهرة (عدم توافق الدين والعلم) غير سديد وفيه تجنّ وظلم وغرور:
الحديث هنا عن العلم كصناعة. ودول العالم الإسلامي لا تزال تعاني من تخلف منعها من الانخراط في لعبة الأمم الحديثة الصناعية. إنها لا تزال تجهل أو تتجاهل قوانين اللعبة وتتكاسل في البذل والاجتهاد. النتيجة هي التخلف في الإنتاج الصناعي والإنتاج الأدبي والإنتاج الفني والإنتاج الرياضي والإنتاج العلمي. وهذا هو الحال مع دول إفريقيا وكثير من دول آسيا أيضا. ليس الأمر مقتصرا على الإنتاج العلمي ولا دخل للدين في هذا الأمر.
التاريخ برهن على أن دول الحضارة الإسلامية كانت في وقت ما المتقدمة في الإنتاج العلمي والحضاري. في ذلك الزمن كانت أوروبا المسيحية متخلفة على ما كانت عليه أوروبا الوثنية. ثم استفاقت أوروبا المسيحية وتقدمت بمسيحيتها ثم تركت مسيحيتها وتقدمت أكثر. ليست المسيحية سبب التأخر أو التقدم. وليس الإسلام سبب التأخر.
التاريخ يذكر أن القرن الخامس عشر الميلادي شهد ثلاثة مراكز حضارية متقاربة جدا في المستوى العلمي والحضاري: أوروبا الغربية والعالم الإسلامي والصين. لماذا كانت الثورة العلمية في أوروبا لا في الصين ولا في العالم الإسلامي؟ السبب غير مفهوم حتى الآن. ولكن الباحثين لم يعودوا يبحثون عن الغلط في الصين وفي العالم الإسلامي وإنما يبحثون عن أسباب حدوث ديناميكية غريبة في اوروبا في الوقت الصحيح جدا جدا. إنه عالم تحكمه العلاقات غير الخطية وأثر الفراشة... ويخلق الله ما لا تعلمون.
العلم كصناعة ليس بالضرورة بحثا عن الحق ولكنه إنتاج. وقد تشجع العقائد الفاسدة على الإنتاج. وقد تشجع العقائد الفاسدة على البحث عن الحق في مجالات دون مجالات. عقائد كثير من العلماء على فسادها وإنكارها لم تكن عائقا لهم في بحثهم العلمي بل لعلها كانت حافزا ومشجعا. الرياضي الهندي الفذ رامانيوجان كان يعتقد أن هناك إلهة (Godess) خاصة تعينه في أبحاثه الرياضية. علماء هنود من طبقة البراهما يؤمنون بالهندوسية بما تقوله من تعدد الآلهة وتناسخ الأرواح ونظام الطبقات الذي يصم بعض الناس بأنهم منبوذون. وهؤلاء يعتقدون بأن عليهم التفوق في العلم لأنهم من طبقة البراهما. إذا كان هذا الأمر في العقائد الفاسدة فمن باب أولى (كما أعتقد) أن لا تكون العقائد الصحيحة في الظروف الطبيعية عائقا لتطور الانتاج العلمي في المجتمعات.
تاريخ الدول والمجتمعات لا يعبأ كثيرا بقول عالم أو عالمين من علماء الدين ولكنه يهتم بأسباب البقاء والانتصار. قبل القرن السابع عشر كانت أهمية العلم بالنسبة للدول والمجتمعات محدودة لأن معظم أبواب العلم لم تكن تفيد كثيرا في المعارك. المغول احتلوا العالم في القرن الثالث عشر بتقنية القوس والنشاب!!!!!!! والإغريق (الذين تفوق علمهم على علوم كل الأمم بعدهم حتى القرن السابع عشر) لم يستطيعوا أن يترجموا علمهم إلى إمبراطورية قوية غنية. أقول هذا للذين يدّعون أن سيدنا الإمام الغزالي عندما نصح العوام بتجنب دراسة الحساب والهندسة تسبب بتدهور العلوم في العالم الإسلامي. لا الغزالي ولا أوغوستين ولا باسكال أثروا سلبا على تطور العلوم في بلادهم.
أمّا التهمة الأخرى التي يُدَّعى أنها سبب تثبيط الإسلام لهمم العاملين والعالمين فهي "العقيدة الأشعرية" التي تؤمن بأن كل شيء مقدر ومكتوب. البروتستانت الكالفينيون يعتقدون نفس الاعتقاد وكانوا في القرنين السابع والثامن عشر أنشط الناس في العالم (بالذات في هولندة وفي فرنسا – الهوجنوت وفي اسكتلندة) علميا وفنيا وصناعيا وتجاريا. هناك تهمة أخرى ترمى بها العقيدة الأشعرية وهي "نفي السببية" الأمر الذي يقتل كل بحث علمي في مهده. وهي تهمة فارغة تشهد حقائق التاريخ بعكسها وسأبين مسألة السببية في العقيدة الأشعرية لاحقا.
العلم كسعي إنساني أو فردي للوصول إلى الحق. هذه هي المسألة التي تستحق الطرح. ما علاقة الإسلام بهذا العلم؟ في هذا السياق لا يهمني من توصل إلى هذه الحقيقة العلمية أو تلك، ولكن تهمني الحقيقة العلمية نفسها (شاكرا جزيل الشكر إخواني في الإنسانية أفلاطون وأرسطو وابن الهيثم ونيوتن وأينشتين ... على جميلهم في رحلة البحث عن الحقيقة). والإسلام كما نفهمه هو الطريق إلى الحق. إذاً لا بد أن العلم والإسلام متلاقيان متكاملان متعاونان يعين أحدهما الآخر. هذا الكلام الإنشائي يحتاج إلى تحديد مصطلحات حتى يتحول إلى كلام مفيد، ولكنه الخلاصة الصحيحة في النهاية:
للتبسيط نشبه القدرة العقلية للإنسان بالحاسوب. يتفاعل الخارج مع الإنسان عن طريق أجهزة الإدخال (Input Devices) وهي الحواس الخمس التي ترسل انعكاسات الخارج بسبب التفاعل كبيانات رقمية عن طريق أعصاب الحسّ إلى الدماغ الذي يخزنها ويعالجها. حتى يستطيع الدماغ أن يعالج البيانات ويتصرف بها ويُخرج أوامر إلى أجهزة الإخراج (Output Devices) التي هي أعصاب الحركة، يحتاج الدماغ إلى نظام تشغيل (Operating System مثل ويندوز أو أندرويد) فيه مفاهيم وتعريفات ومعلومات مبرمجة بشكل مسبق (a priori). من هذه المفاهيم الضرورية المبرمجة في نظام التشغيل مفهوم المكان ومفهوم الزمان ومفهوم السببية (Causality). هذه المفاهيم يسميها إمانويل كانت Categories. يرتب الدماغ البيانات ترتيبا يتعلق بالزمان والمكان والسببية ولا يقدر على غير ذلك. ويبدأ الدماغ بعمليات حسابية كثيرة يحاول فيها أن يختصر من طول البيانات محافظا على كل المعلومات (أو على الأقل المهم فيها) عن طريق ضغط البيانات (Data Compression) تماما كما يحول الحاسوب صورة على شكل ملف tiff حجمه 1MB إلى ملف gif يحافظ على كل المعلومات حجمه 20% من الحجم الأصلى أو ملف jpg يحافظ على المعلومات المهمة في الصورة حجمه 5% من الحجم الأصلي. عملية ضغط البيانات ليست عملية آلية بشكل صرف بل هي عملية ذكية (فيها منطق ورياضيات) تحتاج إلى المقارنة واكتشاف الأنماط (Pattern Recognition) وهي عملية يكافئ نظام التشغيل الإنسان على النجاح فيها بتذويقه طعم متعة خاصة (الطرب مثلا عند التمكن من ضغط بيانات وصلت من الأذن – الاستمتاع الأولي بالموسيقى). المعرفة (Knowledge) هي مجموع المعلومات والبيانات عن الخارج بعد الضغط والترتيب. العلم يبدأ عندما يبدأ الإدراك الواعي بجمع المعلومات (المضغوطة المرتبة) المتعلقة بسياق موضوع محدد يتكرر في الزمان والمكان فيضغط المعلومات فيه بطريقة تعميمية (extrapolation - induction) يمكن فحصها) testable عن طريق "التجربة" مثلا). خذ مثلا هذا القانون العلمي الذي قد يكتشفه حي بن يقظان الطفل في جزيرته. تسجل حواسه بيانات دورية عن عتمة ونور. بلغته الخاصة يُسَمّي الحالة الأولى "الليل" والثانية "النهار" ويسمي وحدة الزمن الدوري الذي يشمل الليل والنهار "اليوم". يلاحظ أن النهار يرتبط بظهور جسم مضيء في السماء. يسمي الجسم المضيئ "الشمس". هذه التسميات والتعريفات تساعده على كتابة بياناته باختصار. ((في اليوم الأول طلعت الشمس من يسار الجبل الكبير – في اليوم الثاني طلعت الشمس من يسار الجبل الكبير – في اليوم الثالث ...)) يضغط حي بن يقظان هذه المعلومات في فرضية علمية هي: ((كل يوم تطلع الشمس من جهة ثابتة هي يسار الجبل الكبير)). يفحص حي بن يقظان فرضيته ويلاحظ صحتها يوما بعد آخر. بعد أن يغير موقعه في الجزيرة لا يعود يستطيع أن يحدد الجهة بالجبل الكبير ويسمي جهة طلوع الشمس "الشرق". القانون الوصفي الذي اكتشفه حي بن يقظان هو ((كل يوم تطلع الشمس من جهة ثابتة هي الشرق)). عند ملاحظته لظاهرتي النهار وحركة الشمس وبعد تحديد السابق واللاحق في الظاهرتين يخرج بفرضية لقانون تفسيري (سببي): ((الشمس سبب نور النهار.)) القانونان يختصران بيانات كثيرة في عبارتين اثنتين. القانون الأول وصفي (descriptive) كينماتيكي (kinematic) يعطي القدرة على التنبؤ(prediction). والثاني تفسيري (explanatory) ديناميكي (dynamic) يمكّن المهندس الذي يستطيع فصل الأسباب المختلفة وجمعها من تصميم الماكينات: "إذا استطعتُ استخلاص جسم مضيئ فسأستطيع إنارة الليل!!"
عملية استخلاص المعرفة المشروحة في الفقرة السابقة تعتمد على مقدمات فلسفية واعتقادية كثيرة لا برهان عليها. عليك أن تصدق أولا بوجود العالم الخارجي وبأن الانعكاسات التي تقيسها أجهزة الإدخال عندك (إحساساتك) صورة صادقة عنه. وعليك أن تؤمن بأن خوارزميات "الرياضيات والمنطق" المبرمجة في نظام التشغيل صحيحة غير خداعة. ثم عليك أن تعترف بأن تعميمك للبيانات ذات العدد المتناهي على الكل غير المتناهي يعتمد على إيمانك بأن نواميس الطبيعة ثابتة لا تتغير هكذا بدون سبب. أما إذا كان مصدر المعلومات الذي تفاعلت معه حواسك انسانا آخر فعليك أن تقنع نفسك أن عنده قدرة عقلية مستقلة تعمل بطريقة مماثلة لطريقة قدرتك العقلية. هذه بعض الأمثلة التي تخطر على بالي وهناك مسائل كثيرة أخرى تطرح في فلسفة المعرفة وفلسفة العلم.
إذاً الوصول إلى حقائق يقينية مبرهن عليها من البداية إلى النهاية حلم لا سبيل إليه. ولهذا كان التشكيك في كل الحقائق ممكنا من الناحية النظرية (مذهب التشكيك والسفسطة Skepticism & Solipsism ). ولكن حقيقة الأمر أن معظم الناس وإن ادعوا التشكيك لا يؤمنون به. "السفسطائي" أو المشكك، الذي لا يؤمن لا بوجودك ولا بوجود الفلوس، لن يسمح لك بالاستيلاء على فلوسه. كيف يدفع الانسان إذاً شبهة المشككين؟ المؤمن بالله يدفعها بأن يقول: خلق الله فيّ فطرة صادقة تدعوني لتصديق حواسي وعقلي. (أو كما يقول سيدنا الإمام الغزالي في المنقذ من الضلال: "نور يقذفه الله تعالى في القلب"). وأمّا غير المؤمن فهو حقا في ورطة!! (لماذا أصدق حواسي وعقلي وهي ليست إلا ما أنتجه الانتخاب الطبيعي على حسب مبدأ البقاء للأصلح؟ لماذا يكون الأصلح صادقا؟ Plantinga)
في الماضي كان أي حقل من المعارف يسمى علما (في الغرب كان يسمى فلسفة). وهكذا كانت علوم الإسلام الشرعية والعلوم الطبيعية تتفق جميعا في كونها ضمن العلوم. في هذه العلوم جميعا يسعى الإنسان للوصول إلى الحقائق والمعارف الصحيحة أولا بتقرير المعارف العقلية المجمع عليها وثانيا باستخدام الوسائل التي تنتج معرفة مثل القياس والتجربة وجمع القراءات والمشاهدات وتقرير مدى مصداقية كل منها. بالنسبة للعلوم الشرعية نبدا اولا بالتأصيل العقلي الذي يقرر وجود الإله، واجب الوجود، الواحد، العليم، القادر، المريد، المخالف للمخلوقات، الغني عنها، المتصف بصفات الكمال. ثم ننتقل إلى وجود الأنبياء عامة والنبي الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاصة وعصمتهم وتبليغهم عن الله تعالى (يمكن أن نبدأ هنا بدراسة ظاهرة اسمها القرآن الكريم ثبت تاريخيا أن رجلا اسمه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحدّى بها قومه وأعجزهم ... ونثبت أن هذه الظاهرة ليس لها تفسير طبيعي.. أي نثبت أنها خارقة أتت على سبيل التحدي والإعجاز... وهذا دليل على صدق صاحب المعجزة الذي يخبرنا أن القرآن الكريم من الإله الواحد القادر العليم ...)، ثانيا ندرس المشاهدات (المرويات) عن المصدر اليقيني (النبي المعصوم) فنثبت تواتر القرآن الكريم وندرس مرويات أخرى ونقرر مدى مصداقياتها... وندرس دلالات هذه المرويات ونصل إلى معارف جديدة.
في الوقت الحديث صارت كلمة العلم (العلم الحديث) حكرا على الجهد الإنساني المنهجي المنظم الذي يرتب وينظم المعارف (حول الكون وما فيه) على شكل تفسيرات وتنبؤات قابلة للفحص. هذا التعريف يضم العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية (ولا يشمل في الأصل العلوم التطبيقية كالهندسة والطب ولا العلوم المساعدة المنهجية التي لا تعتمد على التجربة والمشاهدة كالرياضيات والمنطق... رغم أن الاستخدام المتداول يعتبرها علوما).
لعلنا نستطيع أن نزعم أنه ليس هناك اختلاف جوهري بين الإسلام والماركسية والعلم الحديث من ناحية الشكل المعرفي. كلها منظومات فكرية تدعي أنها منظومات معرفية تضم مقولات معرفية. هي كلها تسعى للحق وتدعي أنها تنتج مقولات صحيحة. وهي كلها تحتوي على نظام داخلي يحكم على مدى مصداقية المقولات المختلفة فيه، وهي كلها تدعي أن نظامها الداخلي الحاكم موضوعي مبني على مبادئ عقلانية متاحة لكل باحث عن الحق. بل لقد كانت الماركسية تدعي أنها فلسفة العالم الوحيدة الصحيحة علميا. أتيت بالماركسية هنا كمثال لأبين أن موضوع التوافق بين الدين والعلم يختلف عن موضوع التوافق بين الإسلام والعلم. الإسلام ليس أي دين. الإسلام هو الدين الصحيح الذي ارتضاه الله لعباده، إنه فلسفة العالم الوحيدة الصحيحة.
لعل من المفيد أن أذكر هنا أن الإسلام يحتوي على مقولات ذوقية عرفانية لا تخضع بسهولة لنظام داخلي حاكم، وهذا تصحيح جانبي للعبارة في الفقرة السابقة
النظام الداخلي الحاكم في العلم الحديث ليس متفقا عليه تماما. من مبادئه المحترمة مبدأ قابلية الدحض (Falsifiability) ومبدأ الالتزام المثودولوجي بالتفسير الطبيعي (Methodological Naturalism) الذي نرى ضرورة تغييره قليلا.
لماذا هناك عدم توافق بين الإسلام والعلم الحديث؟
كلتا المنظومتين تسعيان نحو الحق. إذا وجد تناقض لا وجه لرفعه فإن أحدهما مخطئ. بما أني مسلم فلن يكون الخطأ عندي إلا في تطبيق النظام الداخلي الحاكم تطبيقا خاطئا من بعض المتكلمين باسم الإسلام. من المهم معرفة أن الكثير الكثير من المقولات احتمالية بدرجات مصداقية متفاوتة. أما إذا كانت المقولة "التي تناقض مقولة العلم الحديث" ذات مصداقية شبه يقينية فأنا فورا أقتنع بخطأ "مقولة العلم الحديث". مثلا العلم الحديث يرفض وجود رسائل خارجية في الأحلام وسورة يوسف عليه السلام تؤكدها... إذاً "العلم الحديث" هنا مخطئ.
العلم الحديث فيه مشاكل عويصة. معظم العاملين فيه لا يقرون بأهم حقيقة، حقيقة وجود الله تعالى. وكثير منهم يعاني من عقدة الغرور واحتقار المخالف. (انظر ماذا فعلوا بـSheldrake عندما قدم اعتراضات وجيهة على غرور العلم الحديث – نادوا بحرق كتبه). والعلم كإنتاج بشري لأناس يعيشون في مجتمعات إنسانية سينطبع ولا ريب بخلفيات واعتقادات البشر الذين أنتجوه.
أحد أهم أسباب غرور العلم هو النجاح الهائل في مجال الفيزياء والعلوم القريبة منها في القرون الأربعة الأخيرة. هذا النجاح الهائل هو معجزة غير مفهومة اسمها "فاعلية الرياضيات الغريبة في العلوم الطبيعية" (The Unreasonable Effectiveness of Mathematics in Natural Sciences). بعض الفلاسفة الغربيين (William Lane Craig) اعتبروا أن أفضل تفسير لهذه الظاهرة الغريبة هو "الله تعالى"!
أحد مظاهر غرور العلم الحديث نزعة "العلمية" (ٍScientism) التي كان أصحابها يقولون "ليس صحيحا إلّا ما أثبته العلم." (عبارتهم هذه لم يثبتها العلم فهي غير صحيحة على مذهبهم)
لا يزال العلم الحديث يرفض كثيرا من الظواهر الفوقطبيعية (paranormal) مثل توارد الخواطر (Telepathy) وقراءة الأفكار (Mind Reading) وقوة الحسد (envy)، وقوة الاقتناع والدعاء... رغم أن الكثيرين من فلاسفة الغرب وعلمائهم لا يشكون فيها (Kant, Goethe, Whitehead,…)
مظهر آخر من مظاهر الغرور هو الهروب البارد من إلزامات العلم بضرورة وجود الذات الإلهية. ثاروا في البداية على فكرة المبدأ الإنساني (The Anthropic Principle) التي تقول بأن العالم صنع من أجل الإنسان، لأنها تؤدي إلى إثبات مصمم للكون. كان أملهم آنذاك في إثبات أن العلم (في سياق نظرية الخيوط الفائقة Superstring Theory) بالضرورة لا يسمح إلا بحل وحيد لمعادلات الكون هو نظرية "كل شيء" (Theory of Everything) فلا يعود هناك مجال للسؤال:"ما الذي رجح هذا العالم الممكن (contingent)على كل العوالم الممكنة الأخرى؟" لأن هذا العالم في هذا التصوّر ضروري (necessary). ولكن عندما ثبت أن نظريتهم تسمح بحلول كثيرة جدا وليس هناك ضرورة في الموضوع، استخدموا نفس المبدأ الذي كانوا رفضوه قبل قليل (المبدأ الإنساني) للوصول إلى حل واحد وحيد. وحتى يهربوا من إلزامات التصميم في الضبط الدقيق جدا لثوابت الكون قالوا بوجود العوالم المتعددة (Multiverse) وتناسوا ما كانوا يقولونه عن ضرورة أن تكون النظرية قابلة للدحض(falsifiable).
في الحقيقة هناك أسباب كثيرة تدعو العلم الحديث للتواضع: هناك حدود لما يستطيعه العلم. العلم لا يستطيع أن يبرهن على خلو مسلماته التي يبني عليها الرياضيات من التناقض (Goedel). العلم لا يستطيع أن يتنبأ بالطقس بعد أسبوعين (أثر الفراشة Butterfly Effect). العلم لا يستطيع أن يدفع شبه المشككين في تصديق الحواس والعقل. العلم لا يستطيع تفسير كون العالم قابلا للفهم (Comprehensibility of the World). العلم لا يستطيع أن يفسّر للعلماء لماذا هم أنفسهم يؤمنون بوجود موضوعي للأخلاق (Objective Morality) تماما كما يؤمنون بوجود موضوعي للعالم الخارجي. العلم لا يستطيع أن يفسر استعداد كثير من الناس للتضحية بدون مقابل (Altruism). العلم لا يستطيع تفسير الوعي (Consciousness) ولا تفسير الإرادة الحرة للإنسان (Free Will) . العلم لا يستطيع أن يحدد إذا كانت ذرة راديوم ستتحلل في الدقيقة التالية أم لا. العلم لا يستطيع أن يفسر لماذا تؤثر قناعة الانسان على الأمور الخارجية (سرعة شفاء المريض – تحقق الأماني ...). العلم لا يستطيع أن يفسر كيف وصلت البشرية إلى كثير من المعارف السابقة مثل اللغة والزراعة والرياضيات وأسرار الأعشاب والإبر الصينية. العلم لا يستطيع أن يفسر الإلهام (Inspiration) الذي يجعل العالم يصل إلى الحقيقة العلمية. العلم لا يستطيع أن يفسر لماذا يشعر الكلب على بعد كيلومترات بنيّة صاحبه العودة إلى البيت. العلم لا يستطيع أن يفسر الأحلام التي تصدق. العلم لا يعرف قوة عين الحسود. العلم لا يستطيع أن يفسر عمل الإبر الصينية ولا ما يفعله الفقراء (الدراويش) واليوغيون من عجائب في تحكمهم بأجسادهم وقطعها ولصقها ومنع الدم من السيلان. العلم لا يستطيع تفسير كثير من أفعال المشعوذين والسحرة (مثل ديفيد كوبرفيلد ومغيّري أقنعة الوجوه الصينيين). العلم لا يستطيع تفسير الانفجار الكامبري (Cambrian Explosion). العلم لا يستطيع تحديد موقع تخزين الغريزة في المخلوقات. العلم لا يستطيع أن يفسر لماذا ينتحر الأسد سلطان فيأكل يده (التي ضرب بها خطأ مدربه محمد الحلو ضربة قاتلة) ويتركها تدمي حتى يموت. والعلم لا يستطيع تفسير الضبط الفائق الدقة للكون (Fine Tuning). العلم لا يستطيع تفسير الشعور الغامر بالجمال عند مشاهدة غروب الشمس والشعور الغامر بالعظمة بالقرب من بركان ثائر. العلم لا يستطيع تفسير توجه الإنسان الملحد في طائرة تسقط أو في مركب يغرق إلى الدعاء الصادق لله تعالى بالنجاة. العلم لا يستطيع البرهنة على أن 1+1=2
ملاحظات حول بعض مواقف "القوة المشتغلة" (Task Force) أو بعض أفرادها
(Methodological Naturalism): لا أعتقد أن الإسلام يتوافق مع مبدأ الالتزام المثودولوجي بالتفسير الطبيعي الذي يرفض اعتبار أي عناصر غير طبيعية في البحث العلمي. ولا أظن أن كثيرا من العلماء غير المسلمين متفقون معه. أعتقد أن هذا المبدأ يجب أن يُغيَّر قليلا ليسمح بالعناصر غير الطبيعية في حالات الضرورة التي لا تكفي فيها العناصر الطبيعية. (منقول في التقرير عن ديمبسكي في الصفحة 64). لماذا؟
عادت ثنائية ديكارت (المادة والروح) بقوة إلى الاعتبار في أبحاث الوعي (consciousness). بالأغلب ستعتبر الروح غير المادية (أي غير الفيزيائية) غير طبيعية. (هذه الحجة تسقط إذا اعتبرنا الروح جزءا من الطبيعة)
ظاهرة قابلية الكون للفهم (Comprehensibility of the World) هي نفسها شرط لوجود شيء اسمه العلم. وهذه ظاهرة طبيعية لا يمكن للطبيعة أن تفسرها لأنها شرط للتفسير (وإلا لزم الدور) ... (أوحى لي بهذه الفكرة كلام ساقه الدكتور المفكر العميق مهدي غولشاني في هامش الصفحة 65 من التقرير)
(بالنسبة لي أهم سبب) السبب الديني: لنفرض أن العلماء حاولوا تفسير ظاهرة وجود كتاب اسمه "إنجيل لوقا" بالشكل الحالي. ماذا سيقولون في دراستهم العلمية؟ (لقد قالوا) "هناك مصدران مختلفان للكتاب أحدهما إنجيل مرقس والآخر مفقود" – "الكاتب ليس من معاصري القصة بل ينقل عن غيره". ... الخ. لنفرض الآن أن العلماء حاولوا تفسير ظاهرة وجود كتاب اسمه "القرآن" ماذا كانوا سيقولون في دراستهم العلمية. إذا منعت كل التفسيرات غير الطبيعية فلا تنتظر إلا جوابا واحدا من هؤلاء العلماء: "القرآن من تأليف محمد" ... وهذا كفر بواح لا يمكن لأي "نسخة معدلة" من الإسلام أن تقبل به.
أذكر في هذا السياق كتابا للفرنسي ماكسيم رودينسون عن حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كنت قرأته في ترجمته الألمانية قبل زمن طويل. ولكني لا أزال أذكر خلاصته. رودينسون يرى أن محمدا رجل عظيم صاحب قناعة وصاحب مبادئ وأخلاق. كيف تفسر، يا رودينسون، إذاً ظواهر "نزول الوحي" التي تكررت طوال 23 عاما وكان لها مشاهدون كثر رأوا محمدا يعرق عرقا باردا ويغيب إحساسه عما حوله ثم يخرج بعد دقائق من هذه الحالة ويخبرهم أن ملكا اسمه جبريل نزل عليه للتوّ بآيات من القرآن ثم يتلوها عليهم ويأمرهم بكتابتها؟ تصور معي الآن ورطة رودينسون. إنه مقتنع تماما أن هذا الرجل لا يكذب وأنه مقتنع بكل ما يفعل ويقول، وأنه إنسان واضح لا يمكن أن يكون ممثلا. ولكنه لا يستطيع أن يقبل تفسيرا غير طبيعي هو "الملك جبريل". ما الحل إذأ؟ الحل أن هذا من عجائب "العقل الباطن" التي ستتكشف لنا في المستقبل. أي أن رودينسون اضطر لاعتقاد أن العقل الباطن كون شخصية جديدة اسمها جبريل كانت تؤلف كلاما في غاية الإتقان بأسلوب مختلف تماما عن أسلوب الشخصية الأصلية ثم تتكلم مع الشخصية الأصلية (المرة تلو الأخرى طوال 23 سنة) وتأمرها بحفظ هذا الكلام. ويبدو أن مثل هذه الحالة النفسية لم تتكرر إلا مرة واحدة في تاريخ البشرية؟؟؟ ولكنها يمكن أن تحدث ... والدليل محمد!! (مصادرة على المطلوب!!)
خرق قوانين الطبيعة (مثل معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وغير ذلك) ثابتة في الدين ومنقولة باشتهار وتواتر في كل المجتمعات. الغريب أن أعضاء القوة المشتغلة اعتبروا المعجزات أصعب تحدّ لهم في قضية موافقة الدين الإسلامي للعلم. بعضهم نادى صراحة بفهم جديد غير حرفي للنصوص الدينية وبعضهم طالب علماء الإسلام بالتفتيش عن تفسيرات طبيعية للمعجزات، توافق العلم فلا تتناقض مثلا مع قانون حفظ الطاقة. يبدو أن بعضهم يرى في قوانين فيزيائية (لا يستطيع العلم أن يبرهن عليها وإنما استساغها كتعميم لبعض الحالات الخاصة على كل الحالات) حجية الضرورة والوجوب (necessity)، وهو يريد أن يفرض هذا القانون على قدرة الله تعالى ومشيئته. حتى إذا لاحظ مدى جرأة هذا الطرح تذرّع بأنّ هناك من اعتبر أن مخالفة قوانين الطبيعة نوع من الكذب يتنزه الله تعالى عنه. كلام متهافت جدا لا يستحق أي ردّ. أما تعلقهم بقانون حفظ الطاقة فهو تعلق سخيف. معظم العلماء كانوا على استعداد للتضحية بقانون حفظ الطاقة في سبيل تفسير طيف أشعة بيتا قبل أن يفاجئهم باولي (Pauli) بحله العبقري، النيوترينو (neutrino)، بناء على ملاحظة أن كلفة اختراع جسيم لا يمكن رؤيته في المختبر أقل من كلفة التضحية بقانون حفظ الطاقة. وبنفس المنطق كلفة التضحية بقانون حفظ الطاقة أقل بكثير من كلفة "التضحية" بصفات الألوهية مثل القدرة والإرادة. ثم إن قانون حفظ الطاقة (كما تقول نظرية نوثر Noether’s Theory) ليس إلّا عبارة رياضية رشيقة عن تماثل (symmetry) نتوقّعه في الطبيعة (لعدم علمنا بوجود مسوغات تدفعه)هو تجانس الزمان (Homogeneity of Time عدم تفضيل نقطة في الزمان على نقطة أخرى). من الذي أخبرك بضرورة صحة هذا التوقع؟ هذا يذكرني بكبلر (Kepler) عندما اكتشف أن مدارات الكواكب ليست دائرية فصار يضرب رأسه بالحائط ويقول: "يا رب، لماذا لا تكون دائرية؟" كان يريد أن يفرض على الذات الإلهية مدارات دائرية لأنها أكثر تماثلا!!!!!!!!!
هل من الممكن استخراج حقائق علمية من النصوص الدينية؟
هذه الفقرة المقصود فيها الرد على دعوى أنه لا يمكن استخراج حقائق علمية من النصوص الدينية. أنا أتفهم حساسية العلماء الجادين من استفحال دعاوى الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة (وقد لاحظت حساسية أعضاء مجموعة العمل "القوة المشتغلة" في التقرير). وأنا أقر بوجود تجاوزات غير علمية وغير منصفة وغير مقبولة دينيا في هذا المجال. ولكن وجود هذه التجاوزات لا يعني أن كتاب الله المعجز المحفوظ خال من أي إشارات علمية أو تركيبات رياضية. (أعتقد جازما أن فحوصا إحصائية بسيطة تستطيع إثبات ظواهر رقمية في القرآن الكريم لا يمكن للصدفة أن تفسرها ولا يعتقد أحد أن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطر بباله الحرص على وجودها – مثل ظاهرة العدد 19). كما أن وجود هذه التجاوزات لا يكون الرد العلمي الجاد عليه أن تشطب إمكانية التعرف على حقائق علمية من النصوص الدينية. سأذكر الآن حقائق يؤكدها الدين ويمكن أن يكون لها مدلول علمي يجوز تناوله علميا:
الأسبوع سبعة أيام مختلفة. دينيا يوم الثلاثاء ليس يوم الجمعة. هناك سر في يوم الجمعة. كل يوم له سره. ولكن العلم لا يعرف حتى الآن ظاهرة دورية في الطبيعة يمكن أن تفسر الأسبوع (بخلاف اليوم الذي يفسره تعاقب الليل والنهار والشهر القمري الذي يفسره تعاقب أطوار القمر والسنة الشمسية التي يفسرها تعاقب الفصول الأربعة) – الحقيقة العلمية التي نعرفها من نصوص الدين هي وجود ظاهرة دورية هي الأسبوع
هناك اختلاف بين شهر قمري وآخر. الله هو الذي حدد أن هذا الشهر هو رمضان وذاك هو محرم. والله تعالى هو الذي جعل لهذا الشهر أسرارا تختلف عن أسرار الشهر الآخر. الزمن الدوري لظاهرة أسرار الأشهر هو السنة القمرية = 12 شهرا. – الحقيقة العلمية التي نعرفها من نصوص الدين هي وجود ظاهرة دورية هي السنة القمرية
كلما زادت قناعتك بتحقق دعائك زاد احتمال التحقق (ولعل هذا ينسحب على كل القناعات ... الله عند ظن العبد) – الحقيقة العلمية التي نعرفها من الدين هي أن وعي الإنسان يؤثر على العالم المادي.
الأحلام قد يكون لها معاني وقد تتحدث عن المستقبل – الحقيقة العلمية التي نعرفها من نصوص الدين هي إمكانية الإبصار الجزئي لحوادث تفصيلية مستقبلية في النوم
حقيقة الإيحاء والوسوسة – الحقيقة العلمية التي نعرفها من نصوص الدين هي وجود كائنات غير مرئية تستطيع أن توسوس للإنسان وتتلاعب بأحاديث نفسه.
"حقيقة" المسّ من الجنّ – الحقيقة العلمية التي نعرفها من نصوص الدين هي وجود ظواهر نفسية شاذة لا تفسر بالعقد النفسية وأمراض العقل الباطن وإنما سببها هو المس الشيطاني.
لعل هناك ظواهر أخرى. ولكن هذه الظواهر من الجائز (وليس من الضروري) أن يكون لها ترسخات مادية (material manifestation) موجودة في عالمنا تسمح بدراسة علمية لها (ذات طابع إحصائي على الأغلب).أأن
التطور البيولوجي للإنسان
ذكر التقرير مرارا عبارة "التطور البيولوجي للإنسان حقيقة علمية"، وذكر أن الإشكالات الدينية بشأنها سطحية وأشار إلى أنها كانت محل إجماع عند أعضاء "القوة المشتغلة" (Task Force وأنا لا أصدق هذا الزعم)، غير أن بعضهم كان مصرا على رفض ميكانيكية عمياء غير موجهة (هي الانتخاب الطبيعي Natural Selection ) لأن التطور بهذا المعنى "يؤدي إلى الإلحاد؟؟"
أنا أستغرب من هذا الزعم وسأدلل هنا على أن "التطور البيولوجي للإنسان" ليس حقيقة. وعلى أن هناك إشكالا دينيا كبيرا هو: "من هو آدم؟". كما لا أجد ربطا منطقيا بين الانتخاب الطبيعي والإلحاد. ألا يجوز منطقيا أن يكون الله تعالى شاء خلق الإنسان عن طريق التطور؟ الإسلام أكثر الأديان انفتاحا على مثل هذا الاحتمال. ولكني أؤمن أن النصوص تقول بخلاف هذا وما يقوم به البعض بتطويع النصوص على أنها كناية أو على أن "مخاطبة القرآن الكريم للعلماء غير مخاطبته للعامة وأنّ فهم هؤلاء غير فهم أولئك" (وهو رأي يرجعون به إلى ابن رشد الحفيد) أقل ما يقال عنه أنه مرفوض دينيا (بناء على النظام الداخلي الحاكم للمنظومة الإسلامية كما أراه).
الإشكال الديني الأكبر هو: "من هو آدم (ومن هي حواء)؟" أو بالأخص: "هل لآدم عليه السلام أبوان؟"... النصوص المتواترة (القرآن الكريم) تذكر مرارا خلقا مباشرا لكائن واحد شرفه الله تعالى بأنه علمه الأسماء كلها وأمر الملائكة بالسجود له. أما تأويل الآيات وصرف الدلالات فالظاهر فيه أنه بعيد جدا. ولكني أختصر هذا النقاش بمسألة واحدة: "هل لآدم عليه السلام أبوان؟" لنرى إمكانية التوفيق بين جواب أنصار التطور وبين الإسلام.
جواب أنصار التطور هو: نعم،... إنه يحمل الصفات الوراثية لأبويه بعد تطوير طفيف عليها (ليس هناك فرق يذكر بين آدم وأبيه).
النصوص القطعية الإسلامية تذكر أن آدم هو الأول من نوعه (بل وأنه يختلف عن كل المخلوقات التي سبقته بشكل جوهري شرفه الله تعالى به واستدعى سجود الملائكة له)
أعتقد أن هناك من المسلمين المعادين للتطور (الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "أبي آدم") من يرى أن لآدم أبوين من البشر ولكن الله تعالى خلق لآدم قدرات علمية وروحية جعلته الإنسان الأول. على الرغم من أن الأزهر الشريف رفض هذا الرأي بحزم إلا أنه لم يعتبره مخالفا للمعلوم من الدين بالضرورة.
أما أنصار التطور المتدينون فهم لا يؤمنون باختلاف يُذكر بين آدم وبين "أبويه". ولهذا ليس أمامهم إمكانية للتوفيق مع النص القرآني إلا بادعاء أن فهمنا لـ"آدم" طوال التاريخ فهم خاطئ. وأنه ليس فردا واحدا كان الأول من نوعه. تقول الدكتورة رنا الدجاني في مقابلة معها (في اليوتيوب) "لعل استخدام كلمة آدم هو كناية (Metaphor) عن كل مجموعة البشر آنذاك". وأنا متأكد من كون الآخرين موافقين لها في "اجتهادها" لأني لا أعتقد بوجود أي مهرب آخر.
المشكلة في هذا المهرب أنه يفتح الباب للتفسير الباطني للقرآن الكريم ويقتل كل الدلالات فيه فلا يعود هناك أي ثابت في الدين.
على سبيل المثال رأينا بعض الفرق "الإسلامية" التي سمحت لنفسها بالتعالي على الظاهر في القرآن الكريم تنتهي إلى رفض الحج ورفض السجود في الصلاة وعدم الالتزام الظاهري بكل العبادات (بل لقد اعتقدت في النهاية بالتناسخ مثل طائفة الدروز كما أخبرني شخصيا أحد أفرادها)
وعندما يعتقد الانسان أن القرآن الكريم يخاطب المسلمين خطابات بمستويات مختلفة، المستوى الأدنى فيها هو الظاهر اللغوي، (وهو مستوى يخالف الحق بحرفيّته) فماذا سيفعل بمخاطبة القرآن الكريم لغير المسلمين. في سورة آل عمران ورد ذكر سيدنا آدم عليه السلام كمثل لسيدنا عيسى عليه السلام في سياق مباهلة (ملاعنة) أهل نجران النصارى. (عيسى خلق من غير أب كما أن آدم خلق من غير أبوين. وإن شئتم طلبنا من الله تعالى أن يلعن الكاذب منا)... (أريد أن أنبه هنا إلى أن الأزهر الشريف وجامع القرويين والزيتونة ودور الإفتاء المختلفة والحوزات العلمية لا يمكن إلّا أن تعتبر إثبات أب لعيسى عليه السلام جحودا لمعلوم من الدين بالضرورة!!)
وماذا نفعل بمخاطبة التوراة والإنجيل؟ كل أصحاب الديانات يروون نفس القصة بالأساس. هل استخدمت كل الكتب السماوية نفس الكناية؟ هل دأبت جميع الأديان على أسلوب خطابات متعددة ذات مستويات متعددة؟
هل هناك ما يدعو عالما مسلما متدينا إلى تبني التطور؟
الإعجاب بالعلم الحديث ونتائجه المبهرة
الإعجاب بالتفاني العلمي لبعض علماء الغرب والإخلاص في طلب العلم (نعم هؤلاء موجودون... وأعتقد أن داروين نفسه كان من هؤلاء... وقد أدى به بحثه عن الحق إلى ترك الدين المسيحي وإلى الإلحاد)
المنطق البسيط الواضح لنظرية التطور المدعومة بالسجل الأحفوري ومشاهدة التطور الجنيني ومقارنة المادة الوراثية
إجماع أكثر من 100 ألف من العلماء المتخصصين على أنه لا مناص منها (لا مكان للمعجزات لا في العلم ولا في العالم)
الأمانة العلمية: إذا أردت أن تستشهد بالمبدأ الأنثروبي (Anthropic Principle) كدليل على مصمّمٍ خلقَ العالم بشكل يصلح للإنسان، فأنت تعترف بسيناريو لتطور فيزيائي كيميائي بيولوجي أدى إلى تكون الإنسان.
وجود شبه مختلفة في الدين (يبدو في الظاهر أنها تعارض نتائج العلم الحديث) تدعو الإنسان للامتناع عن الفهم الحرفي مثل:
هل وجدت مجتمعات إنسانية عاش بعض أفرادها ألف سنة تقريبا أم كان الأمر خاصا بسيدنا نوح وحده؟
هل الحيوانات مأمورة باحترام الانسان؟ هل تستطيع النملة معرفة الأنبياء؟
هل يدرك الهدهد أن بعض البشر يسجدون للشمس عبادة؟ هل للهدهد لغة متطورة؟
أين اختفت مملكة سيدنا سليمان المذهلة؟ كم كان امتدادها؟ أين آثارها؟ لماذا تغفل عن ذكرها الحضارات المجاورة؟
هل وردت قصة عن طفل وضع في النهر لتهريبه في حضارات (في الهند) قبل سيدنا موسى عليه السلام؟ (لعل هذا ادعاء لا صحة له ولكنه ذُكِر يوما أمامي)
لماذا لم تذكر السجلات الفرعونية شيئا عن بني إسرائيل؟ وعن غرق فرعون؟ ومن هو هامان؟
ما هي الطير الأبابيل؟ وماذا يقول التاريخ عن جيش أبرهة؟
متى وأين عاشت عاد وثمود وأصحاب الأيكة؟ وهل كان هناك اتصال ثقافي بينهم (هل أدرك المتأخرون منهم آثار وأخبار المتقدمين)؟ هل كان هناك اتصال بين زمن عاد وبين عهد سيدنا نوح عليه السلام؟ هل كان هناك اتصال بين زمن أصحاب الأيكة وبين عهد سيدنا موسى عليه السلام؟ (هذا يؤدي إلى أن سيدنا نوحا عاش قبل زمن غير بعيد... وهذا يؤدي إلى مشاكل كثيرة)
كيف يكون جزء من المادة الوراثية التي نحملها من إنسان نياندرتال (الذي لا نعده من جنسنا البشري)؟ ما علاقة سيدنا آدم بإنسان نياندرتال؟
يجب على المسلمين دراسة هذه الشبه وبيانها. وأنا متأكد أن الأيام ستأتينا بإجابات عجيبة.
ذكر كثير من أنصار التطور المسلمين أن في التراث الإسلامي أقوالا محفوظة عن التطور (يذكرون الجاحظ وابن مسكويه وإخوان الصفا وابن خلدون). أعتقد أن المقصود عند هؤلاء هو ترتيب المخلوقات في سلسلة الخلق لا تطورها من نوع إلى آخر!! (اعتقادي متابعة لمعترض (الدكتور ياسر قاضي) على الدكتور أسامة حسن المحرر للتقرير في اليوتيوب) على سبيل المثال أعلى مراتب النبات النخيل وقبل النخيل الزيتون. هل معنى هذا أن النخيل تطور من الزيتون؟ إذا صح اعتقادي فيجب للأمانة العلمية التوقف عن مثل هذه الاستشهادات (وقد وردت في التقرير)
هل عبارة " التطور البيولوجي للإنسان حقيقة علمية " صحيحة؟
العلماء يقولون عن النظرية العلمية إنها "حقيقة علمية" (scientific fact) إذا ساندتها المشاهدات والتجارب إلى درجة أن لم يعد أحد يفكر في فحصها ثانية. بهذا المعنى دوران الأرض حول الشمس مرة في السنة حقيقة علمية. ومناصرو التطور يدعون أن التطور حقيقة علمية تماما مثل دوران الأرض حول الشمس.
بهذا المعنى فإن دوران الشمس حول الأرض مرة كل يوم كان قبل كوبرنيكس "حقيقة علمية"
هناك معنى آخر للحقيقة العلمية وهو القياس العلمي لمشاهدة معيّنة. في هذه الحال فإن إثبات أن الإنسان تطور من مخلوقات حيوانية سبقته يحتاج إلى آلة الزمن!! (حتى لو استطاع الإنسان مشاهدة تطور لإنسان من الحيوان في المختبر فإن هذا لا يعد إثباتا للتطور الدارويني على حسب بوبر Karl Popper)
العلم الحديث يعترف من البداية بأنه فلسفيا يستطيع أن يدحض نظرية ما ولكنه لا يستطيع إثبات نظرية ما.
هناك مشكلات كبيرة في التطورالدارويني: في حصول التطور البيولوجي وفي آلية التطور المقترحة (الانتخاب الطبيعي Natural Selection)
مشكلة الانفجار الكامبري (أنصحكم بمشاهدة الفيلم: في اليوتيوب...........)
مشكلة اللغة الإنسانية: علماء اللغة منذ تشومسكي (Chomsky) مقتنعون بأن اللغة المجرّدة (abstract language) لا يتعلمها الطفل وإنما تولد معه وهو يعبّئ الفراغات فيها بناء على ما يتعلمه من محيطه من لغة تفصيلية (العربية أو الانجليزية أو حتى لغة الإشارة). اللغة المجردة هي نظام حسابات (computational system) مبني على مبادئ عامة (ما هو الاسم؟ ما هو الفعل؟). أي أنه برنامج كمبيوتر فظيع ولا بد أنه موجود في المكان الوحيد الذي يمكن أن تحفظ فيه المعلومات للأجيال القادمة، الـDNA. الغريب أن مخلوقات الكرة الأرضية كانت تفتقد أي وجود لنظام الحسابات هذا قبل حوالي 100 ألف سنة. ثم وجد هذا النظام بشكل كامل في الإنسان قبل 50 ألف سنة. أي أن تطور جين (Gene) اللغة استغرق 50 ألف سنة واكتمل ولم تعد المخلوقات تحاول مثل هذا الشيء ثانية. مدة 50 ألف سنة نافذة صغيرة جدا في تاريخ الخليقة. وتطور جين اللغة بهذه السرعة المهولة فقط بالانتخاب الطبيعي لطفرات عشوائية في المادة الوراثية ضرب من الخيال.
مشكلة التعقيد الذي لا يمكن اختزاله (irreducible complexity) – بدأه العالم مايكل بيهي (Michael Behe) في كتابه Darwin’s Black Box صندوق داروين الأسود. لاحظ بيهي أن الآلات المعقدة موجودة بكثرة في كل الأنظمة الحيوية (في الأنظمة البيوكيميائية على سبيل المثال). هذه الآلات المعقدة مركبة من أجزاء عديدة لا يمكن للآلة أن تعمل إلا إذا اجتمعت جميعا. ولكن التطور يقوم على أساس التغير التدريجي الطفيف. معنى هذا أن التطور بالنسبة لآلة مكونة من 30 جزءاً على سبيل المثال يجب أن ينتج الأجزاء الثلاثين المختلفة في سياقات مختلفة كليا تكون جميعا ذات مصلحة تضمن البقاء، ثم يكتشف الجسم أن تجميع الأجزاء الثلاثين في سياق جديد قد ينتج آلة فيها مصلحة في صراع البقاء. ثم يكتشف الجسم أن السياقات الثلاثين الأخرى (أو كثير منها) لم تعد مهمة للبقاء فتختفي (احتمال ضئيل جدا ... جدا... جدا).
مشكلة التعقيد المتعين (specified complexity) الذي درسه ويليام ديمبسكي (William Dembski) في كتبه المختلفة. المسألة باختصار هي: من أين أتت المعلومات في الـDNA؟ يقول ستيفن ماير (Stephen Meyer صاحب كتاب "بصمة في الخلية" Signature in the Cell): "كثيرون حاولوا تفسير هذه المعلومات باستخدام قوانين الفيزياء والكيمياء. ولكن هذا أشبه بمن يحاول تفسير عنوان موضوع في رأس الصفحة الأولى في صحيفة أمريكية مشهورة بتفسير تعلق الحبر على ورق الصحيفة. نعم، الكيمياء تفسر التصاق الحبر بالورق. ولكن هل يفسر هذا ترتيب هذا الحبر على شكل رسالة يستطيع أن يقرأها الناطقون بالانجليزية؟"
مشكلة المشاكل تطور الوعي. هناك براهين فلسفية على أن الوعي لا يمكن أن يصدر عن خوارزمية (برهان الغرفة الصينية Chinese Room Argument) وهناك كتاب للفيلسوف الملحد توماس ناغل (Thomas Nagel-Mind and Cosmos_ Why the Materialist Neo-Darwinian Conception of Nature Is Almost Certainly False)
مشكلة وجود الدين الذي يدعو إلى الرحمة بالضعفاء على النقيض مما يدعو إليه الانتخاب الطبيعي وهو القضاء على الضعفاء
مشكلة ظاهرة التضحية من غير مقابل (Altruism) التي يصعب تبرير وجودها وبقائها في عالم تحكمه قاعدة "البقاء للأصلح"
مشكلة الجمال والذوق: لماذا عالمنا ملون وليس أبيض وأسود ورمادي؟ لماذا يشعر الإنسان شعورا غامرا بحضور "الجمال" عند غروب الشمس وبحضور العظمة عند بركان ثائر؟ (Kant’s Beauty & Sublimation)؟ ما الذي يجعل مثل هذه القيم مفيدة في معركة البقاء للأصلح؟
مشكلة تحديد موقع المعلومات التي يُحتاج إليها في تفسير الغريزة (Instinct) وتفسير التصرفات الجمعية (collective behavior). مثال: نفرض أن هناك جنينا ينمو وعدد خلاياه الآن 1000 خلية. بشكل غير مفهوم تعرف كل خلية أنها ستتخصص لتكون نوعا محددا من الخلايا: هذه ستصبح في الرأس وتلك ستصبح في الرجل وتلك في الكبد والأخرى في القلب. إذا قمنا بقتل 500 خلية في الجنين في الجزء الذي كان سيتطور ليصبح القسم الأعلى من الجسم (الرأس والقلب)، فستفهم الخلايا الحية الباقية بشكل تلقائي أنها يجب أن تغير خطتها فتصير خلية الكبد السابقة خلية للرأس وتصبح تلك للقلب!! مثال على التصرفات الغريزية: لنفرض أن عندنا كلبا عاش إلى يومنا هذا حياة طبيعية بأربع أرجل. ثم حصل للكلب حادث سيارة اليوم فاضطررنا لبتر إحدى أرجله. الغريب أنه بعد أن يستفيق من البنج سيمشي تلقائيا (بدون تعلم) بتقنية ثلاث أرجل ممتازة. كون تصرف الخلايا وتصرف الكلب تلقائيا يدفعنا إلى الاقتناع بوجود برنامج (program) يحكم هذه التصرفات. يتوقع أن يكون مجموع حجم برامج الغريزة والتصرفات الجمعية كبيرا ولهذا من البعيد أن تكون هذه البرامج في الـDNA. المشكلة هي أين تخزن هذه البرامج؟ (مشكلة أخرى: ما هي المصلحة الانتخابية في الإبقاء على برنامج الأرجل الثلاث؟ هل احتاجت الكلاب في الماضي إلى السير بثلاث أقدام فقط؟)
مشكلة الحقيقة: (متابعا لبلانتينغا Plantinga): التطور أنتج أجهزة الإدراك والتفكير عند الكائن الحي (كما في النقطة 2أ الدماغ المعالج والمخزن وأجهزة الإدخال ونظام التشغيل). أجهزة الإدراك والتفكير هذه هي نتيجة صراع من أجل البقاء كانت هي فيه المنتصرة أي الأصلح للبقاء. التطور ليس موجها لأجهزة إدراك وتفكير هي الأفضل في استخراج الحقيقة بل في المساعدة على البقاء!!!!!!! إذاً ما الذي يمنع أن تكون قراءات أجهزة الإدراك عندي خداعة ولكنها بخداعها تساعد على بقائي حيّا؟ إذاً قدراتي الإدراكية والتفكيرية، التي استنتجت بها نظرية علمية عقلانية هي نظرية التطور، لا يمكن الوثوق بها. إذاً، إذا آمنت بنظرية التطور فإنك لا يمكنك الوثوق بصحة نظرية التطور!!!!!!!!!!! (إلا إذا برهنت على أن الحقيقة تفيد في المساعدة على البقاء وهذا صعب هناك أمثلة تعارضه)
هل يؤدي نقض الداروينية إلى ضرورة الإيمان بالله تعالى؟
القول بالتطور هو المهرب الوحيد من الخضوع لبرهان النظام (Design Argument هذه الهندسة الدقيقة في تركيب الكون ومخلوقاته لا بد لها من مهندس – خاصة إذا علمنا أن هذه المخلوقات لم تكن موجودة ثم وجدت).
من المفيد مقارنة مواقف فلاسفة عصر التنوير في فرنسا لأنهم من أعلن الحرب على الدين فتبعتهم الحضارة الغربية بعد ذلك (ومعاناة العلم الحديث بسببهم). فلاسفة الثورة الفرنسية كانوا جميعا لا يؤمنون بالدين المسيحي. فقد عاشوا بعيد انتهاء حروب دينية مختلفة في أوروبا تسببت بهلاك ثلث سكان ألمانيا ومليونين من سكان فرنسا... الخ. بعضهم آمن بالإله الذي يفرضه على عقله برهان النظام مثل روسو وفولتير (هذا الأخير كان يؤمن بضرورة الإله ولكنه كان يرى أنه ليس خيّرا بالضرورة) وبعضهم رأى أنه ليس هناك ضرورة للإله أصلا (مثل ديديرو وهولباخ Diderot & d’Holbach ) فكانت عندهم مشكلة مع برهان النظام، فكان الحل عند هذين القول بالتطور لأسباب مادية عمياء (بل بتطور المادة الحية من المادة الميتة كذلك).
في العصر الحديث تكاثرت المشاكل التي تواجه الداروينية الحديثة وازدهرت توجهات في الخيال العلمي تتساءل عن الكائنات الذكية التي تحيا في عوالم الفضاء البعيدة وعن قدرة الإنسان على التقدم العلمي في مجال الحاسوب بتسارع أسّي (EXPONENTIAL). هذان التوجهان أصبحا مخرجين للملحدين في حال أثبتت الاكتشافات القادمة استحالة تطور العالم على حسب الداروينية الحديثة. هذان المخرجان ينقلان المسألة إلى مستوى أعلى قد لا يمكن فحصه في عالمنا (ولكنه على زعمهم جائز منطقيا)
المخرج الأول هو القول بوجود حضارات عظيمة في كواكب بعيدة زارت كوكب الأرض مرارا في التاريخ وزرعت كائنات حية استقدمتها معها وتدخلت في تطورها المرة تلو الأخرى (أحد تدخلاتها أو عملية الزراعة الأهم هي الانفجار الكامبري). هكذا ينتقل السؤال إلى هذه الكائنات الذكية القادمة من الفضاء: من الذي هندسها؟ سيقول لك الملحد: "التطور الدارويني" (ولكن هذا الهروب إلى المستوى الأعلى سيتخلص من بعض المشاكل فقط مثل مشكلة اللغة ومشكلة الانفجار الكامبري ولكنه لن يتخلص من المشاكل الأخرى وسيلزمه التسلسل (infinite regress) المرفوض فلسفيا)
المخرج الثاني هو فرضية المحاكاة (Simulation Hypothesis) وهي أن عالمنا ما هو إلا محاكاة في برنامج كمبيوتر ضخم جدا لكائنات ذكية جدا. الأمر يشبه ما يفعله أولادنا في لعبة SIMS4 في الحاسوب. إنهم يكونون عالما لهم فيه شخصيات يحددون هم صفاتها ويدعونها تعيش في هذا العالم تحت مراقبتهم وبتدخلهم. تصوّر الدرجة التي يمكن أن تتطور إليها هذه البرمجية بعد ألف سنة من التقدم العلمي المتسارع أسّيًّا (حاليا تتضاعف قدرات الحاسوب في أقل من سنتين). سيبرمجون تطور داروين ويدعونه ينتج المخلوقات المختلفة في العالم الافتراضي. وبعض هذه المخلوقات ستصبح ذكية وتطور إرادة حرة لها. ولعلها تبرمج هي نفسها لعبة SIMS4 وتدعها تتطور. (انظر فيلم The 13th Floor)
فرضية المحاكاة تتخلص من مشكلة البصمة في المخلوقات (مثلا تكرر حصول النسبة الذهبية في العالم Golden Ratio) وتتخلص من مشكلة حصول الخوارق (مثل المعجزات) في العالم وتتخلص من مشكلة الضبط الدقيق لثوابت الكون ومن مشكلة الانفجار الكبير الذي يبدو فيه كأن شيئا تكون من لا شيء. وتنقل السؤال إلى المستوى الأعلى: من الذي برمَج الكائنات المُبرمِجة؟؟ إذا كانت واجبة الوجود فقد عدنا إلى الذات الإلهية وسنثبت الصفات الأخرى (مثل الوحدانية والعلم والإرادة والقدرة والغنى ومخالفة الحوادث) بالبراهين الفلسفية. أما إذا كانت جائزة الوجود (Contingent) فما الذي رجح وجودها على عدمها؟ ثم ننتقل إلى المرجّح وننفي الدور (Circular Argumentation) والتسلسل (Infinite Regress)...(برهان الوجود The Cosmological Argument)
يقول بوستروم عن ملحد شديد الإلحاد شرح له بوستروم فرضيته وأوجه التشابه بين مفهوم الإله في أديان مختلفة وبين صانع المحاكاة فيها فأخبره الملحد... هذا أفضل دليل قُدِّم لي على وجود الإله ... ثم رجع هذا الشخص عن إلحاده (Atheism) وصار لاأدريا (agnostic)
نيك بوستروم (Nick Bostrom) الفيلسوف السويدي الواضع لفرضية المحاكاة وديفيد تشالمرز (David Chalmers) الفيلسوف الأسترالي المشهور في فلسفة الوعي (وهما ملحدان) يؤمنان أن احتمال أننا نعيش داخل محاكاة (Simulation) احتمال واقعي كبير(تقريبا 20%). والمتابعون لهما كثر. بالضرورة الذي يؤمن باحتمال المحاكاة يؤمن أيضا باحتمال التصميم الذكي (Intelligent Design) الذي هو الخصم الحالي الأكبر للتطور الدارويني (السبب في التوجه نحو التطور والداروينية هو الهروب من التصميم الذكي الذي هو خضوع لحجة النظام). الذي يؤمن باحتمال صحة فرضية المحاكاة يؤمن بإمكانية وقوع الخوارق (مثل المعجزات) ويؤمن بإمكانية المسببات من خارج الطبيعة (طبيعة المحاكاة) فهو لا يؤمن بصحة مبدأ الالتزام المثودولوجي بالتفسير الطبيعي (Methodological Naturalism). ويؤمن بإمكانية القيام ببحث علمي داخل المحاكاة يدرس صحة كون العالم محاكاة. أي أنه يؤمن بإمكانية العلم بالتوصل إلى ضرورة وجود صانع للعالم من خارج العالم!!
في النهاية أنا شخصيا أرى أن فرضية المحاكاة لا يمكن أن تكون صحيحة لأنها مبنية على تكوين عوالم بناء على خوارزميات (algorithms). وأنا أتفق مع بنروز (Roger Penrose) في أن العالم له صفات لا يمكن حسابها بالخوارزميات (non-algorithmic) وأعتقد كذلك أن الخوارزميات يستحيل أن تكوّن الوعي (consciousness). كما أحب أن أشير إلى أن حجة النظام (أو حجة التصميم Design Argument) لا تكفي للبرهنة التامة على وجود الله تعالى (رغم أنها الحجة الأكثر ورودا في القرآن الكريم لدفع الناس للتفكر) ولكن هناك حاجة إلى حجة الوجود ( The Cosmological Argument"أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون")
أزمة مثقفي العالم الإسلامي النفسية والثقافية؟
نجاحات العلم الحديث في الناحية التقنية وفي علم الفيزياء والبيولوجيا مبهرة
أصبح هناك مركب نقص (inferiority complex) تجاه الغرب
قابله مركب تفوق (superiority complex) تجاه بعض رموز التخلف في الشرق (وللأسف أصحاب الصوت العالي المتكلمون باسم الدين من هؤلاء)
في العالم السنّي اختفت المؤسسات الرسمية الناطقة باسم المذهب الأشعري والماتريدي (سقوط الخلافة العثمانية – أزمات التحديث في الأزهر الشريف – انتشار الفكر "السلفي" بسبب تبني دول غنية له – تحول الأذكياء في الأجيال الجديدة عن دراسة علوم الشريعة – اعتلاء الجهلة منابر المساجد بمباركة الدول المختلفة – عبث الأنظمة السياسية بالورقة الدينية ...)
أصبحت المؤسسات الفلتانة هي الناطقة باسم أهل السنة: (كتب كثيرة لمؤلفين جهلة – مواقع سيئة وجاهلة في الإنترنت – شيوخ جوامع يعيشون في عالم آخر - محطات ساتالايت تبث الفتنة ولا تنشر إلا الجهل والحقد...)
ثقافة المثقفين المسلمين في الإسلام قاصرة: إذا أجريت استبانة لأساتذة الجامعات العربية الملتزمين بالدين الإسلامي وسألتهم
ما هو دليلك على وجود الله؟
هل يفيد الحديث الصحيح في العقائد الأصلية؟
كيف تفسر جواز تقليد الإمام الشافعي في الصلاة؟
كيف تفسر كون معظم علماء الغرب في مجالك ملحدين؟
ما معنى "تبرئة الذمة" في العبادات؟
ما هما التحسين والتقبيح العقليان؟
هل ترى مشكلة في سؤال "أين الله؟"
ما هي الصفات الواجبة في حق الله تعالى؟
ما هي الصفات الواجبة في حق الأنبياء؟
ما هو تعريف المعجزة؟
ما الفرق بين الشرط والركن والسنة والهيئة في أعمال الصلاة؟
من هو المكلف؟
ما هو التأويل في العقائد؟
ما اسم أكبر مدينة سكانا في العالم الإسلامي زمن الدولة الأموية؟
ما اسم الطائفة الإسلامية التي أسست الجامع الأزهر؟
ما اسم الحاكم "المسلم" المتهم بقتل أكثر من 10 ملايين شخص؟
ما هو المذهب السني الفقهي الذي اختلف معظم متبعيه مع متبعي المذاهب الفقهية الأخرى في العقائد؟
اذكر دولا (أو حكاما في التاريخ الإسلامي) تبنّت المذاهب التالية: الشافعي، المالكي، الحنفي، الحنبلي، المعتزلي، الزيدي، الاثناعشري، الإباضي، الإسماعيلي؟
من هو: أحد أهم المفكرين... كتب بالعربية والفارسية في الأصول والإحسان ... توفي سنة 1111م؟
اذكر اسم كتاب تاريخي (أو اسم عالم) مشهور في: النحو، أصول الفقه، العقائد، التصوف، علم الاجتماع، الطب، الرياضيات، التاريخ، الحديث؟
اذكر اسم شاعر صوفي (بالعربية وبغير العربية)؟
رتب تاريخيا: البخاري، الغزالي، المأمون، ابن خلدون، ابن تاشفين، أبو حنيفة، صلاح الدين
ما هي المصيبة التي حدثت في السنة: 11هجري، 61 هجري، 1260 ميلادي، 1099 ميلادي، 1492 ميلادي، 40 هجري، 1948 ميلادي؟
سترى العجب !!!!!!!!!! كثير من هذه الأسئلة كان الأطفال في الماضي يتعلمونها في الكُتّاب (على شكل متون وأراجيز: مثلا متن ابن عاشر في المغرب العربي)
أو أجرِ استبانة ذكية لأساتذة الجامعات العربية الملتزمين بالدين الإسلامي: هل تساءلت قط
لو كنتُ مولودا (في هذا المجتمع أو في مجتمع آخر) لأب وأم غير مسلمين
ما الذي كان سيقنعني بالإسلام؟
هل كنت سأستحق النار إن لم أقتنع؟
هل النار مصير أفلاطون وأغوستين والأكويني وباسكال وكانت وتولستوي ونيلسون مانديلا وغاندي وتشي غيفارا ومارتن لوثر كنغ؟
ما الذي دعا عالما مسلما ذكيا من المعتزلة (مثل الجاحظ) إلى الاعتزال أو آخر شيعيا (مثل الشريف المرتضى) إلى التشيع؟
لماذا خلق الله الخلق؟ - لماذا لا يهدي الله جميع الأنام ويدخلهم الجنة؟
لماذا حرم الله كثيرا من الأمم من الأنبياء؟ - هل تقام الحجة على الإنسان بغير الأنبياء؟
ما الذي يجعلني أفرح عند ذكر الفتوحات الإسلامية؟ - ألم يكن فيها هجرة بمئات الآلاف (استيطان) واحتلال لأراضي الغير؟ - هل كنت سأفرح بالفتوحات الأوروبية لو كنت أوروبيا؟
لماذا كان في بعض الفتوحات ظاهرة السبي؟ - هل السبي (ونظام العبودية) حلال؟ - إلى يوم القيامة؟؟ (ما دام الإسلام صالحا لكل زمان ومكان؟؟) - والاتصال مع الجواري؟؟ - ولا يجوز هذا للنساء مع عبيدهن؟؟
لماذا اختلاف الأحكام بين النساء والرجال؟ - حتى في الجنة؟؟ - لماذا "تُحرَم" النساء من الصلاة والصيام في بعض الأيام؟ - لماذا "للرجال عليهن درجة"؟
ما حقيقة الإعجاز في القرآن الكريم؟ - كيف أقنع أجنبيا بأن القرآن معجز (وكيف أقنع نفسي أولا؟)
ما الذي يجعل الشيوخ يغضبون إذا قال قائل: "القرآن مخلوق"؟ - لماذا الجواب السني هو الصحيح والجواب المعتزلي هو المخطئ؟
كيف يختلف المسلمون في "بسم الله الرحمن الرحيم" في سورة الفاتحة؟ (ألم يقرأها سيدنا محمد في الصلاة آلاف المرّات أمام الآلاف من المصلين؟) – إذا سمح بالاختلاف في هذا الأمر ألا يصبح الاختلاف سائغا في كل شيء؟
لماذا الاعتقاد بأن كل ما في الصحيحين صحيح؟
هل سأل سيدنا محمد حقا جارية "أين الله" ليمتحن إيمانها؟
كيف يرى المؤمنون الله في الجنة؟؟
كيف يسوغ قتل رجل غير معصوم ولو كان وليا صالحا (سيدنا الخضر) للغلام الصغير؟
إذا كان الطفل الميت مصيره الجنة فلماذا لا يكون سائغا أن يضحي مسلم بنفسه (ولو بأن يجعل مصيره جهنم) ويعمل على قتل آلاف الأطفال وإدخالهم الجنة؟
لماذا لا يفيدنا هؤلاء الشيوخ الذين يسيطرون على الجنّ في محاربة دولة "إسرائيل"؟
هل في الشرع الإسلامي اضطهاد للرأي الآخر (قتل الحلاج، قتل السهروردي، نكبة البرامكة بدون محاكمة، قتل المرتد عموما...؟)؟
هل كان الصحابة جميعا بهذا الشكل الرومانسي من الاتفاق والحب؟ - ألم يختلفوا ويتقاتلوا؟ - ألا يسمّى ما حصل في آخر أيام سيدنا عثمان ثورة أو انتفاضة؟
كيف يكون جميع الصحابة (وقد تقاتلوا وتسببوا بقتل عشرات الآلاف) عدولا وللمخطئ منهم أجر؟ (ألم يكن بعضهم متلبسين بالبغي؟ أليس البغي معصية من الكبائر؟ هل هناك أحكام شرعية خاصة بالصحابة؟)
ألا تستغرب من انتخاب سيدنا عثمان خليفة مع وجود سيدنا الإمام علي بقرابته وسمو قدره؟
لماذا يذكر آل البيت في الأحاديث والأدعية الشريفة بشكل يخصصهم عن باقي الأمة؟ (هل يجعل نسب هذا الشخص منه شخصا أفضل مني: ألسنا بشرا كذلك؟)
لماذا يسمح الله تعالى للكعبة بأن تضرب بالمنجنيق وتهدم ويسرق منها الحجر الأسود ويكون بناؤها الدائم على يد ظالم قتّال هو الحجاج؟
لماذا يخلق الله إنسانا ويشاء له الموت كافرا ويدخله النار؟ - لماذا يخلق الله تعالى رجلا بغريزة مريضة لا يملك إلا أن يشتهي الذكور من دون الإناث ثم يعاقبه على ذلك أشد العقاب؟ ...
.... أعتقد أن نتيجة الاستبانة ستكون خطيرة.. كثير جدا من المسلمين المثقفين يخشون من التساؤل وطرح الأسئلة حتى لا ينكبوا عن الطريق المستقيم (في عقلهم الباطن شك في صحة الإسلام بكلّيّته) !؟؟ كثيرون لا يتساءلون أصلا لأنهم غير مهتمين (لا يبحثون عن الحق أصلا)!؟؟
لماذا التأكيد على عبارة: "العلم لا يستطيع إثبات وجود الإله ولا يستطيع دحض وجود الإله" ؟
إذا كان المقصود بالعلم (العلم الحديث) ما قلناه سابقا: " الجهد الإنساني المنهجي المنظم الذي يرتب وينظم المعارف (حول الكون وما فيه) على شكل تفسيرات وتنبؤات قابلة للفحص"، فهذا التعريف يتضمن كون "العلم الحديث" تعميميا (inductive يعمم الخاص على العام، يعمم خلاصة مشاهدات محدودة العدد على الإمكانيات العامة غير محدودة العدد.) لا اشتقاقيا ( deductive يشتق الحالة الخاصة من القانون العام). العلم بهذا المعنى لا يستطيع أن يبرهن صحة أي جزء من النظرية العلمية (لا التفسير ولا التنبؤ)، ولكن تكرر المشاهدات الموافقة للنظرية (التي هي نظام معين من الأسباب والتنبؤات) تجعل الثقة فيها أكبر. إذا تكررت الموافقات إلى درجة جعلت الثقة بالنظرية كبيرة بحيث لم يعد أحد من العلماء يعتقد بضرورة فحصها، فإن العرف يسمح بأن تسمى مثل هذه النظرية "حقيقة علمية". هذه التسمية لا تمنع احتمال اكتشاف علمي جديد يناقض النظرية. ولكن العلم الحديث يستطيع أن يدحض (ينقض) النظرية العلمية بمثال ناقض واحد (counter-example). فحص أي نظرية هو البحث عن أمثلة ناقضة.
هناك مقولات علمية يمكن أن يتعامل معها العلم بمستواه الأبسط الذي هو جمع المشاهدات الصرفة (empirical niveau). هذه المقولات من قبيل (هل يشاهد كذا وكذا؟ هل يحصل كذا؟ هل يوجد كذا؟). بالنسبة لهذا النوع من الأسئلة فإن العلم الحديث يستطيع الإثبات (مشاهدة واحدة صحيحة) ولا يستطيع النفي (عدم العلم ليس علما بالعدم Absence of evidence is not evidence of absence). المثال الذي يحب الملحدون ذكره هنا هو: "العلم لا يستطيع نفي وجود وحيد القرن الطائر (unicorn) المذكور في حكايات الأطفال الخرافية. ولهذا لا يجوز يا مؤمن أن تطلب منا إثبات عدم وجود الله بالعلم."
إذاً، بهذا الفهم للعلم الحديث فإن العلم الحديث لا يستطيع أن يبرهن "نظرية أن هناك إلها هو خالق العالم" ولا أن يدحض وجود إله. نحن لا نختلف على هذه النتيجة بناء على هذا الفهم. ولكن لا يجوز أن نغفل هنا أن العلم بهذا المفهوم لا يستطيع أن يبرهن أي نظرية: لا نظرية النسبية ولا نظرية الكم ولا الحقول الكمية ولا... ولا نظرية التطور. أستغرب جدا من أن يكتب باحث نزيه في نفس الصفحة عبارة : "العلم لا يستطيع أن يثبت وجود الإله، ولا أن يدحض وجود الإله"... وعبارة: "التطورالبيولوجي للانسان حقيقة علمية ثابتة". وأستنكر ذلك بشدة إذا كان هذا الباحث مسلما يحب الإسلام والعلم.
العلم الحديث وحده ببنائه التعميمي على شكل تفسيرات وتنبؤات ليس من المطلوب منه البرهنة على أي شيء. المطلوب منه جمع الأدلة (المشاهدات والقياسات) لتعزيز الثقة بتفسيراته وتنبؤاته. أما إذا ربطت أدلة العلم الحديث بمقدمات فلسفية معينة فإن من الممكن الوصول إلى البرهنة. على سبيل المثال إذا استطعت تحديد أن الجسيم الفلاني قطعا لا يقل بعده (قطره) عن كذا وكنت تؤمن بمقدمة فلسفية تقول: الجسيمات الأولية نقاط هندسية (جميع أبعادها صفر)، فأنت قد برهنت على أن الجسيم الفلاني ليس جسيما أوليا (بل هو مركب يمكن نظريا تقسيمه).
بناء على نفس المبدأ تستطيع إثبات وجود الله تعالى مستعينا بمقدمات فلسفية تسلّم بها. مثلا يستطيع العلم الحديث بالقياس والمشاهدة إثبات أن جسما ما يتغير من زمن إلى آخر. إذا سلم المرء بالمقدمات الفلسفية التالية فهو يستطيع البرهنة على وجود واجب الوجود (الله تعالى): المتغير ممكن الوجود (contingent) – المركب من مكونات أحدها ممكن الوجود هو نفسه ممكن الوجود – مبدأ السببية (ممكن الوجود يحتاج إلى سبب يرجح وجوده على عدمه) – استحالة الدور (circular reasoning) – استحالة التسلسل (infinite regress).
هناك مشاهدات علمية مختلفة تعزز أركان بعض الحجج الفلسفية المشهورة على وجود الله مثل 1) الانفجار العظيم (Big Bang) في"حجة الحدوث" (Cosmological Kalam argument) 2) والضبط الدقيق (Fine Tuning) في حجة النظام والتصميم (Design Argument) 3) ودراسة القرآن الكريم في حجة المعجزة (Argument from Miracle)
أود الإشارة أخيرا إلى ما كتبه الفيلسوف السويدي نيك بوستروم (صاحب فرضية المحاكاة Simulation Hypothesis التي تشارك الأديان في القول بأن العالم مخلوق <هو المحاكاةSimulation > له خالق <هو المُبرمِجProgrammer > من خارجه) في جوابه عن إمكانية فحص فرضيته بالعلم. قال: ((من الواضح إمكان وجود مشاهدات تبين أننا نعيش داخل محاكاة. على سبيل المثال يجوز أن يبرمج المبرمج نافذة تخرج أمامك يكتب فيها "أنت تعيش في محاكاة حاسوبية... لمزيد من المعلومات اضغط هنا". أو من الممكن أن يرفعك المبرمج إلى مستواه في حقيقة العالم.(يقصد هنا أن المبرمج يسمح لوعيك بمشاهدة عالمه هو والتفاعل معه) )) ما يتكلم عنه بوستروم هنا هو ما يمكن ترجمته إلى إمكانية تفاعل المبرمج مع الكائنات المبرمجة في المحاكاة عن طريق المعجزات والوحي. هذا الفيلسوف الملحد يعتبر بحث مثل هذه الاحتمالات بحثا علميا يمكن أن يفحص إذا كان عالمنا مخلوقا من صانع حكيم (مبرمج). والغريب أن الكثيرين من العلماء يتابعون هذه التحليلات بكل رحابة صدر ما دام أنها لم تذكر وجود الإله (حتى دوكينز Dawkins). والحق أنه ليس في احتمالاته شيء يخالف بحث المؤمنين (وغير المؤمنين) بحثا علميا عن أدلة تدل على أن العالم خلقه صانع حكيم. أتفهّم انفصام الشخصية عند علماء الغرب المتعقدين من الأديان ولا أتفهمه من علماء مسلمين.
يذكر بوستروم طريقة أخرى للاستدلال على أن عالمنا مخلوق خلقه صانع حكيم هي الطريقة غير المباشرة وتكون بدراسة الإمكانات الأخرى المقبولة منطقيا (التي تزاحم احتمال الصانع الحكيم) وتبيين ضعفها. لاحظ معي أن حصر الإمكانات المتزاحمة منطقيا لا يصح معه الهروب المعروف بإله الفجوات (God of the Gaps). نفي الإمكانات المنطقية المختلفة كلها ما عدا واحدا دليل على صحة هذا الواحد، وليست هناك فجوات!
إذا بحثت في قناعات علماء ملحدين كبار وجدت ما يؤكد أن كثيرا منهم كانوا يبحثون عن الله في أسرار الطبيعة ولا يتذرعون بـ"إله الفجوات". بول ديراك الملحد (Paul Dirac) يقول: إذا استطاع العلم حساب احتمال نشأة الحياة على الأرض بناء على قوانين الطبيعة واكتشف أن الاحتمال صغير جدا جدا جدا، فلن يكون هناك مفر من الإيمان بالله. (لاحظ معي أن ديراك كان بإمكانه التذرع بأن علينا إعادة البحث عن القوانين الصحيحة للطبيعة) آخرون مثل واينبرغ (Steven Weinberg) يرون أنه ليس هناك إلا 3 إمكانات لتفسير نشأة كوننا: الصدفة، أو العوالم المتعددة (multiverse)، أو الله!! (ولكنه يرى أن نظرية الإله ليست نظرية علمية جيدة لأنها ليست ذات قوة تفسيرية وليست بسيطة)
الفيلسوف الذي كان أكبر ملحد في العالم، أنتوني فلو (Antony Flew)، عاد عن إلحاده وأصبح ربوبيّا (deist) مؤمنا بإله صانع للعالم. أهم سبب لإيمانه، كما يقول، هو الاكتشافات العلمية الحديثة المؤكدة للتصميم الذكي والنظام في الكون.
العالم الفيزيائي المشهور أُيْغن فيغنر (Eugen Wigner) كان يتفكر في صلاحية لغة الرياضيات لعلم الفيزياء وقوتها غير المنطقية فيها. (معجزة صلاحية لغة الرياضيات في تحرير قوانين الفيزياء هي هدية رائعة لا نفهمها ولا نستحقها The miracle of the appropriateness of the language of mathematics for the formulation of the laws of physics is a wonderful gift which we neither understand nor deserve). حضرت في 1995 في مدينة بوتسدام الألمانية حفل تكريم البروفيسور مانفريد آيغن (Manfred Eigen) من قبل الأكاديمية العلمية في برلين-براندنبورغ. وقد تكلم آيغن عن حواراته مع هيزنبرغ (Heisenberg) حول الإيمان بالله تعالى. وتطرق الموضوع إلى فيغنر فقال المقدّم متهكّما: "فيغنر كان يؤمن بالله وها قد مات قريبا. الآن يستطيع أن يفحص فرضيته"، فضحك كل الحضور (معظم العلماء الألمان ملحدون). يبدو أن تفكر فيغنر في الفيزياء والرياضيات فلسفيا أدّى به إلى الإيمان بالله تعالى!! (لعل من أسباب إيمانه قناعته عن دور المراقب العاقل الواعي conscious observer بتحطيم الموجة الكمية للمادة وترسيخ احتمال واحد فقط في الوجود – لعله كان مقتنعا بضرورة وجود وعي عاقل خارج العالم حتى يترسخ وجود هذا العالم)
رد على تهجم بعض المشاركين على مفهوم السببية ومفهوم الجبر والاختيار عند الأشاعرة - عرض حديث مبسط للعقيدة الأشعرية
أود أن أوضح هنا بطريقتي الخاصة عقلانية المدرسة الأشعرية حتى لا تطلق عليها الأحكام السطحية المتسرعة التي تتهمها بأن مقولاتها في السببية تقتل العلم في مهده، ومقولاتها في القضاء والقدر تثبط الهمم وتقتل النزعة للاجتهاد والتعلم والبحث العلمي.
فهمي للمدرسة الأشعرية يضم أي منظومة منهجية في العقائد الإسلامية المتفق عليها (ضرورة الوجود الأزليeternal لإله واحد one ، واجب الوجودnecessary ، حيpersonal ، خلق العالم من لا شيءcreator ، قادر على كل شيءomnipotent ، بضدّ مشيئته لا يكون شيء، يعلم كل شيءomniscient ، لا يشبه المخلوقات في شيءtranscendent ، لا يحتاج إلى شيء،... وإلى أن سيدنا محمدا رسول الله المعصوم الصادق المبلغ عن رب العالمين وأن القرآن الكريم كتاب الله المحفوظ وأن كل ما فيه حق مبين، وأن الله شاء للإنسان حياة التكليف: تقام عليه الحجة ثم يعاقب أو يثاب) تؤكد على تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات وتنسب لله تعالى صفات الكمال بتقديم الصفات المحضة المجردة على صفات لا يكون لها معنى إلا بافتراض وجود المخلوق (وبالذات المخلوق العاقل المكلّف – مثل صفتي العدل والحبّ). الأشاعرة بهذا الفهم يضمّون الأشاعرة الأصليين (أتباع أبي الحسن الأشعري – معظم المالكية والشافعية أشاعرة) والماتريدية (أتباع أبي منصور الماتريدي – معظم الأحناف ماتريدية) وبعض الحنابلة المنزّهين والمفكرين المستقلين. وليس في استخدام هذا الاسم أي تقدير خاص لأبي الحسن الأشعري إلا من حيث كونه أشهر من حرّر هذه العقائد بطريقة منهجية من الأوّلين.
سأحاول أن أستفيد من فرضية المحاكاة وسأنتصر لفهم للزمن أتابع فيه السلسلة "ب" للأحداث الزمنية (B-Series of time according to McTaggart). هناك نظريتان للزمن: النظرية "أ" تعتبر الموجود بحق فقط اللحظة الآنية (الحاضر)، أما الماضي فقد وُجد ثم انعدم. وأما المستقبل فإنه لم يوجد بعد. النظرية "ب" تعتبر الماضي موجودا والحاضر موجودا والمستقبل موجودا وأن سير الزمان وهم. حسب النظرية "ب" فإن جميع ارتباطات الزمن في عالمنا يمكن اختزالها منطقيا في مقارنات زمنية باستخدام "قبل" و"بعد". أما النظرية "أ" فهي تعتبر أن هناك مفهوما حقيقيا مستقلا هو "الآن". علماء الكلام واللاهوت تقليديا يحبون النظرية "أ" وكثير من الفيزيائيين في القرن العشرين يميلون إلى النظرية "ب" بسبب تعلقهم بمفهوم الزمكان في النظرية النسبية العامة.
العقيدة تجيب على أسئلة الإنسان الحائر الباحث عن معنى الحياة:
من أنا؟ من أين جئت؟ - أنت مخلوق خلقك الله تعالى من لا شيء ثم كرّمك بأن جعلك مستخلفا على بعض مخلوقاته الأخرى
ماذا أفعل هنا؟ - أنت هنا على الأرض تعيش حياة التكليف. (تعيش في امتحان قد تنجح فيه أو ترسب)
إلى أين المصير؟ - إلى الجنة إذا كنت من الناجحين وإلى النار إن كنت من الراسبين
هذا كلام خطير. فيه "جنة ونار". لا يجوز أن يلقى هكذا بدون دليل. العقيدة تتوجه إلى "المكلف" وتقيم عليه الحجة
المكلف هو البالغ العاقل (مكتمل النمو ومتمكن من أدوات الحس والعقل – مصدّق بما يقوله الحس والعقل – مصدّق بوجود عالم خارجي فيه بشر يستطيع التواصل معهم ويشبهونه وخاصة في الحس والعقل) الذي وصلته الدعوة الملزمة (وصله تعريف مقنع بدين الإسلام يحتوي على الإنذار بالنار حتى يلزمه البحث والتحقق)
هذا المكلف يؤمن بمقدمات أستطيع بها إقامة الحجة عليه. فهو يصدق حواسه فيؤمن بالعالم الخارجي ويصدق عقله فيؤمن بعدم التناقض وبالسببية وبالرياضيات والمنطق. إقامة الحجة عليه تكون بإلزامه بتصديق ما كان ليؤمن به لو كان في حياته اليومية. أمّا أن يصدّق حواسه في حياته اليومية ثم يسألنا البرهنة على صدق الحواس عند البحث عن الله تعالى أو أن يؤمن بالسببية في كل شيء في حياته الخاصة ثم يكذّب بها عند السؤال عن سبب وجود العالم فهذا كذب على النفس قبل أن يكون كذبا على الآخرين. (وهناك فطرة صادقة في مثل هذا الإنسان المكلف المتناقض تقول له: أنت كذاب معاند!!)
هناك حجج مختلفة على وجود واجب الوجود الصانع الحكيم (حجة الوجود (الإمكان) – حجة الحدوث - حجة النظام والتصميم – الحجة الأخلاقية - ...) ولكن أهمها بالنسبة لتأسيس العقائد الإسلامية هي الحجة المحمّدية (هذا الإنسان الكامل المثالي الأخلاقي العظيم المنصور من رب العالمين بمعجزة القرآن الكريم)
الحجج القطعية (وهي حجج عقلية) تؤدي إلى أهم حقيقة في العالم وهي وجود الله تعالى (الواجب الوجود، الواحد، الأزلي، الحي، العليم، القدير، الغنيّ عن خلقه، المتنزه عن مشابهة خلقه، الذي لا يكون شيء بخلاف مشيئته) المتصف بصفات الكمال، وإلى الحقيقة التالية في الأهمية وهي أن محمد بن عبد الله رسول الله النبي المعصوم الأمين المبلغ عن رب العالمين. كل من يقتنع ويسلم ويخضع لهاتين الحقيقتين (يشهد الشهادتين) مسلم إلا إذا أتى أمراً (قولا أو فعلا أو اعتقادا) ينافيهما.
بعد تأسيس عصمة النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) يتيسر مصدر آخر للمعلومات القطعية غير الحس والعقل. إنه الخبر الصادق. كل خبر قطعي الثبوت عن المعصوم خبر صادق. كيف يكون الخبر قطعي الثبوت؟ بأن يكون انتقاله بالتواتر. أي ينقله الجمع عن الجمع بحيث يكون احتمال اجتماعهم على الكذب ضئيلا جدا لا يزيد على احتمال تكذيب الحواس أو احتمال أن تكون القواعد العقلية التي تعمل عقولنا وفقها خاطئة أو احتمال أن تكون الأحداث التي نعيشها جزءا من حلم طويل. القرآن الكريم متواتر. القرآن الكريم قطعي الثبوت. الكثير من السنة الفعلية متواتر مثل أفعال الصلاة والحج... معظم السنة القولية غير متواترة (فهي إذاً ليست قطعية الثبوت بل ظنية الثبوت). كل أحاديث الصحاح ظنية الثبوت لا تثبت بها عقائد قطعية أو احتجاجات فيها جنة ونار. بالنسبة للأخبار تبقى هناك مشكلة الدلالة. يجوز أن تؤسس العقائد القطعية على الأخبار ولكن فقط إذا كانت قطعية الثبوت قطعية الدلالة.
هناك مدرستان عقلانيتان همهما إقامة الحجة على العقائد الإسلامية: المدرسة الأشعرية (الأشاعرة والماتريدية الذين هم معظم أتباع المذاهب الثلاثة: المالكي والشافعي والحنفي) والمدرسة العدلية (المعتزلة والزيدية والاثناعشرية والإباضية ...). وهناك مذهبان عقائديان غير عقلانيين لا يستطيعان إقامة الحجة على العقائد هما: 1- المذهب الظاهري الحشوي (الحنبلي السلفي الوهابي) الذي يجمع المتناقضات ويرفض تأويل الظاهر المستحيل ويبني عقائد بعيدة عن تنزيه الله تعالى على أحاديث ظنية، 2- والمذهب الباطني الغنوصي (الإسماعيلية والطوائف التي انشقت عنها وبعض مدعي التصوف) الذي يتسامح إلى درجة خطيرة في فهم النصوص بدلالاتها اللغوية المعروفة، (فلا تبقى هناك إمكانية للاحتجاج بالنصوص الشرعية في أي شيء) ويبني الدين على فهم خاص لباطن النصوص.
اتفق الأشاعرة والعدلية على إثبات صفات الكمال لله تعالى. وقد لاحظ الطرفان أن إطلاق صفات الكمال هكذا بأول ما يتبادر إلى الذهن البشري من فهم للكمال قد يؤدي إلى مستحيل عقلي. على سبيل المثال لا يجوز لصفة "القدرة" أن تتعلق بالمستحيل العقلي. لا يجوز أن يقال: "الله يقدر على كل شيء ... إذاً الله يقدر على إفناء نفسه" لأن فناء الله تعالى مستحيل عقلي. إذاً اتفق الطرفان على إثبات أكمل تجمع لصفات الكمال. الاختلاف كان في تحديد هذا التجمع لصفات الكمال خاصة عند البحث عن صفات الإلوهية المتعلقة بالمخلوق المكلف. في هذا السياق كان العدلية ديمقراطيين جدا وقدّموا صفة العدل الإلهي على صفات أساسية مثل القدرة والإرادة. (وقدمت بعض طوائف النصارى صفة "الحبّ" كذلك). بينما قدّم الأشاعرة الصفات الأساسية التي تنسب لله تعالى بغض النظر عن وجود المخلوق أصلا (فضلا عن المخلوق المكلف) على الصفات المتعلقة بالمخلوق. أنا أتفهم أن الكثيرين يعتبرون موقف الأشاعرة هذا مؤسسا للجبرية (Fatalism) ولنفي السببية الحقيقية وإثبات سببية ظاهرية (occasionalism) ولهذا يتحمسون لآراء المعتزلة ويرون فيها تراثا إسلاميا "ديمقراطيا" مظلوما. لهذا سأبين الآن تورط هذا النهج الفكري للعدلية في ورطات فكرية غير حميدة.
المسألة المركزية عند العدلية هي "أفعال المخلوق المكلف ومحاسبته عليها." ليس من المعقول أن يجبر الله العادل المخلوق المكلف على ارتكاب المعاصي ثم يحاسبه عليها. هذا ليس من العدل. ولكن الله قادر على كل شيء ممكن. ألا يقدر الله تعالى على فعل ذلك؟ جوابهم هو: "لا تعلق للقدرة الإلهية بهذا الفعل لأن هذا الفعل مستحيل عقلا ... لأنه ينافي العدل"... هكذا إذاً حدد العدلية قدرة الله تعالى بصفة العدل التي يمكن (بالأصل) إدراكها بالعقل. ما هو العدل إذاً؟ مع شيء من التعميم، العدل هو تنزّه الأفعال عن القبيح عقلا (الذي هو الكذب والظلم والعبث ...)
العدلية يحتاجون الآن لتحسين وتقبيح الأفعال (أفعال الله!!) عقلا. إذاً عندهم ((لأن هذا الفعل قبيح فإن الله لا يفعله)) بعكس الأشاعرة الذين يقولون ((لأن الله تعالى يفعل هذا الفعل أو يأمر به فهو حسن)). عند العدلية: هناك أفعال قبيحة لذاتها وأفعال حسنة لذاتها ويمكن للعقل الإنساني أحيانا (وليس دائما) أن يدرك حسنها وقبحها. من المنطقي أن يُطوّر مفهوم القبيح بحيث يصير اختيار الحسن الأقل حسنا دون الحسن الأكثر حسنا (تفضيل الصالح على الأصلح) قبيحا. وهكذا ينتهي العدلية إلى ما يشتهر عند الغربيين بنظرية لايبنتز (الفيلسوف الألماني الذي أنشأ مع نيوتن حساب التفاضل والتكامل) بأن العالم الذي خلقه الله تعالى هو خير عالم ممكن (the best of all possible worlds).
المتطرفون من العدلية الذين يرون كل أفعال الله تعالى محكومة بالتحسين والتقبيح (بعض الفلاسفة) ينبغي أن ينتهوا إلى "إله الفلاسفة" الذي ليس هناك معنى لنسبة صفة المشيئة له لأن كل أفعاله ضرورية (لأنها الأحسن). هؤلاء مثلا لا يكون العالم عندهم إلا أزليا. لماذا؟ لأنه ليس هناك سبب طارئ يدعو الله تعالى إلى إخراج العالم من العدم إلى الوجود. رد الإمام الغزالي عليهم: "هناك سبب هو مشيئة الله تعالى. الله شاء أن يخرج العالم إلى الوجود في الزمن الفلاني." ولكن هؤلاء المتطرفين لا يؤمنون بالمشيئة!!!!!!!!!!!!
إذا انتقلنا إلى فعل المخلوق المكلف الذي سيحاسب عليه فالسؤال المطروح هو: من الذي رجّح وجوده على عدمه؟ من الذي خلقه؟ السؤال هنا عن العلة النهائية (السبب الأول First Cause) وليس عن علة وسيطة تحتاج هي نفسها إلى علة. العدلية مضطرون إلى القول بأن الله "العادل"، الذي يحاسب العبد على معصيته، لا يمكن أن يكون هو الذي خلق المعصية ثم نسبها للعبد. إذاً العبد هو الذي خلق فعله الذي يحاسَب عليه: سبب الفعل هو "إرادة" العبد لهذا الفعل وهذه الإرادة لا سبب لها بل هي السبب الأول.
المشكلة هنا هي أن العدلية يقولون هكذا بجواز خروج شيء إلى الوجود بدون إرادة الله (ولكن ليس بعكس إرادة الله). وكأن الله تعالى بخصوص أفعال المكلفين "شاء أن لا يشاء". في الحقيقة، أكثر صفة من الصفات الإلهية يتم التعدّي عليها باسم العدل هي صفة المشيئة خاصة إذا أضفنا إلى ما سبق القول بوجوب "الصلاح والأصلح" ووجوب "الغرض" (استحالة أن يفعل الله تعالى أي شيء بدون غرض لأن هذا يقتضي قبيحا هو "العبث")
من الواجب التذكير هنا بأن العدلية يحافظون على مقتضى صفة "العلم الإلهي" فيؤكدون على أن الله تعالى عليم علما أزليا بكل ما يكون من العبد وأفعاله، علما لا يؤثر على حرية العبد واختياره. أي أن اختيارات المخلوق المكلّف توافق المقدّر (Compatibalism).
أضيف هنا أن الظاهر في طريقة التفكير العدلية أن الله تعالى يجري عليه الزمن (temporal) لأن الأفعال الإلهية يتوجب فيها "الغرض" (يفعل كذا من أجل أن يصير كذا فيفعل كذا ...). ثم إن خلق المخلوق المكلف لأفعاله يوجب أن ينتظر الله العبد أن يفعل فعله حتى يقوم بفعله هو. الواضح أن الإله الذي لا يجري عليه الزمن (timeless) خالق الزمن هو أكمل من الإله الذي يجري عليه الزمن (temporal).
باختصار، العدلية وقد هدفوا إلى تنزيه الله تعالى عن الظلم وفعل القبيح، انتهوا إلى انتقاص من صفات مختلفة من صفات الكمال: الإله يجري عليه الزمن – يخضع لأحكام العقل عن التحسين والتقبيح – لا يخلق كل شيء – مشيئته ناقصة محكومة بـ"الصلاح والأصلح" و"الغرض" - ... ... وكل هذا بسبب وجود مخلوق مكلف محاسب!!!!!!!!!! لا يمكن أن يكون هذا البناء العقلي صحيحا!!
الآن ننتقل إلى المدرسة الأشعرية. ننسى في البداية وجود مخلوق مكلف ونقرر صفات الكمال. نستطيع تلمس صفات الكمال بمقارنة مع صفات المُبرمِج في فرضية المحاكاة (Simulation Hypothesis). المبرمج يستطيع برمجة أي شيء تسمح به مقدرته التقنية. هذا يترجم إلى ((قدرة الله تعالى على خلق أي شيء ممكن عقلا)). ما الذي يبرمجه المبرمج فعلا عائد فقط إلى رغبته ومشيئته ولا يجب عليه شيء. هذا يترجم إلى ((لا يكون إلا ما يشاء الله تعالى... ولا يجب على الله تعالى شيء)). المبرمج يمكنه أن يعلم أي شيء عن أي تفصيل في محاكاته حتى لو كان افتراضيا. هذا يترجم إلى ((أن الله تعالى عليم بكل ما كان وما يكون وما سوف يكون وما لا يكون، لو كان كيف كان يكون)). المبرمج يستطيع أن يبرمج كل القواعد التي يشاء ويضعها في نظام التشغيل لوحدات برمجة داخلية مستقلة، سيمز (SIMS). من هذه القواعد التي يمكن أن يبرمجها قواعد خاصة بتحسين أو تقبيح أفعال محددة في ظروف محددة. هذا يمكن ترجمته إلى ((الحسن والقبح ليسا ذاتيين وإنما يحددهما الله تعالى)). يمكننا التفكر في علم المبرمج بكل تفاصيل المحاكاة ولقطاتها المختلفة. المبرمج الذي تكون جميع اللقطات حاضرة أمامه أكمل من المبرمج الذي يحتاج إلى حساب لقطة ما حتى يعلم ما فيها. هذا يترجم إلى ((العلم بالفعل أكمل من العلم بالقوة actual knowledge is more perfect than potential knowledge)). والمبرمج الذي تفرض لقطات المحاكاة عليه علاقاتها الداخلية أقل كمالا من المبرمج الذي لا يفرض عليه شيء. مثلا إذا كانت هناك لقطتان في المحاكاة (أ،ب) تربطهما العلاقة: اللقطة أ قبل اللقطة ب، فإن علاقة "قبل" لا تفرض نفسها على المبرمج الأكمل وستكون اللقطتان بالنسبة إليه سواء (المخرج السينمائي الذي يقطع اللقطات ويلصقها أكمل من المخرج المسرحي الذي يعيش اللقطات الواحدة بعد الأخرى). باختصار العلاقات الترتيبية بين مكونات المحاكاة (الزمان والمكان والسببية) هي من برمجة المبرمج. هذا نترجمه إلى: ((الله تعالى خالق ما نراه في عالمنا من سياقات. الله خالق الزمان وخالق المكان وخالق ما نراه من سببية ظاهرية.. الله لا يجري عليه الزمان ... الله يتنزه عن المكان .. الله هو السبب الحقيقي لكل الموجودات وما نراه من أسباب في العالم هي أسباب ظاهرية تصح في عالمنا بعُرفنا ولكنها ليست السبب الحقيقي الذي أدى إلى خروج الموجودات من العدم)).
الآن ننتقل إلى عالمنا الذي يحتوي على المخلوق المكلف. هناك أمور لا يمكن برمجتها ولكنها ليست مستحيلة عقلا. الله تعالى شاء (لا لغرض ولا لسبب) أن تكون الحياة لنا في هذا العالم حياة التكليف. وشاء الله كل ما تتطلبه حياة التكليف لأنه شاء حياة التكليف. حياة التكليف في عالم التكليف تتطلب السببية في هذا العالم (occasionalism) وتتطلب حرية الإرادة (Free Will) في هذا العالم وتتطلب قدرات عقلية وحسّية للمكلف أثبتناها سابقا.
قد يجادل البعض في حقيقة مثل حرية الإرادة هذه. قد يقول: حرية الإرادة هذه هي تماما مثل حرية طرزان في داخل رواية "طرزان". مؤلف الرواية الذي كتب كل تفاصيلها قرّر أن بطل روايته طرزان إنسان حر الإرادة. جوابي: أنا أعترف أن الأمر صعب على الفهم. ولكننا لا يمكن إلا أن نؤمن بصورة من حرية الإرادة وإلا كانت كل أعمالنا الإنسانية وأفكارنا واعتقاداتنا بلا معنى ولا أساس .. بل إن عملية الاستفهام عن حقيقة حرية إرادتنا تكون حينئذ بلا معنى (أي أن نكون مجبرين على توهّم أننا نبحث عن حقيقة كوننا أحرار الإرادة). أعتقد أن حل مسألة حرية الإرادة لا تتسنى للعقل البشري وأن في الأمر سرّا إلهيا هو الروح ("قل الروح من أمر ربي"). لكني أستغرب ممّن يدعي العلم ويرمي الأشاعرة بقتل العلم لأن الإنسان عندهم ليس حر الإرادة بالحقيقة ولا يخلق أفعاله. أرني يا سيدي نظرية فيزيائية متماسكة واحدة يكون فيها الإنسان حر الإرادة!!
أما عن السببية فإن السببية الظاهرية التي يقول بها الأشاعرة لا تختلف في قضايا تأسيس العلم عن السببية الحقيقية. ولكن السببية الظاهرية يمكنها تفسير المعجزات وخرق العادة بينما لا تستطيع السببية الحقيقية ذلك لإن فيها عنصر الضرورة. السببية الأشعرية التي تخلو من عنصر الضرورة هي الأفضل فلسفيا بلا ريب لأن القفز من مشاهدات معدودة إلى تأسيس سببية ضرورية فيه ما فيه!! والسببية الظاهرية تضم أسبابا لا يمكن أن تضمها السببية الضرورية مثل الدعاء والعمل الصالح وحسن الظن بالله تعالى. كما أن السببية الظاهرية يمكن أن تتحرر من الترتيب الزماني (كأن أدعو أنا اليوم دعاء خالصا لنجاح ابني في امتحانه الذي انتهى أمس بدون علمي) – هناك أبحاث فيزيولوجية عصبية تشير إلى إمكانية تأخر إدراك الإنسان باختياره عملا ما عن استعداد الجسم لهذا العمل (أي أن جسم الانسان يبدأ بمقدمات الفعل أ قبل أن يختار الانسان القيام بالفعل أ). إذا صحت هذه الإشارات فإن حرية الإرادة وهم على السببية الحقيقية ولكنها لا تزال ممكنة بناء على السببية الظاهرية!!
هذا نموذج فيزيائي للعالم: تصور أن المبرمج برمج زمكانا كاملا (Block Universe) كما في النظرية النسبية العامة. هذا الزمكان الكامل هو كتاب العالم (مثل كتاب طرزان في المثال السابق). يمكننا تصور أن المبرمج برمج زمكانا خماسي الأبعاد ومنع السيمز (الناس في المحاكاة the sims) من تلقي أي معلومات من البعد الخامس (the fifth dimension). أو لعله منع السيمز من أي إحساس بمتغيرات فيزيائية مهمة في عالمهم يبقيها مخفية (hidden variables). هذا يجعل السيمز يشعرون بأن عالمهم تنقصه السببية الصحيحة كما هو الأمر حاليا مع فيزياء الكم، رغم أن حقيقة الأمر هي تركيب سببي كامل، بعض أجزائه مخفية. بما أن هذا ممكن عقلا بالنسبة للمبرمج والمحاكاة فهو ممكن عقلا بالنسبة لله تعالى والعالم. بسهولة يمكن للإنسان أن يتمسك بالإيمان بالسببية ويتغلب على الظاهر اللاسببي في نظرية الكم. هذا مثال يبين كيف تكون السببية الأشعرية علميا أفضل من اللاسببية الكمية.
يمكن للمبرمج أن يظهر بعض السيمز (شخصيات المحاكاة SIMS) على بعض المتغيرات والأبعاد المخفية (أي يكشف عنهم الحجاب). اقتفاء لهذا المثال يمكن أن يكشف الله تعالى لبعض عباده المختارين الحجب. قد تكون الحجب في المحاكاة منع السيمز من إجراء بعض العمليات المنطقية والرياضية. أي أن القواعد العقلية في عالم المحاكاة قد تكون ناقصة (أو غير ضرورية؟؟!!!!). ألا يمكن أن تكون الأسس العقلية (المنطقية والرياضية) التي تحكم عالمنا ناقصة أو غير ضرورية؟ الرياضي وايلدبرغر Wildberger يرى أن الرياضيات في عالمنا قد تكون مصممة بطريقة ذكية جدا تشهد أن العالم من تصميم صانع حكيم!!
نعم، طريقة التفكير الأشعرية تؤدي إلى الاعتقاد بأن العالم بكل زمكانه وأبعاده ومتغيراته الظاهرة والمخفية كتاب تام مكتمل من خلق رب العالمين موجود بكل زمكانه. وهذا يتضمن أن الماضي والحاضر والمستقبل على نفس القدر من الوجود. هذا في الأصل يوافق نظرية "ب" للزمن على حسب ماكتاغارت McTaggart.
قضية الإنسان المكلف تبقى معقدة. ويمكن للعدلية الغوص في التفاصيل وطرح أسئلة على الأشاعرة قد تكون محرجة، من قبيل: ((هل من الممكن أن يدخل الله تعالى المؤمنين النار؟ ألا تقولون: يجوز في حقه فعل الممكنات بأسرها أو تركها في العدمات؟؟)). ردي أنا على مثل هذا السؤال: نعم، يجوز أن يخلق الله تعالى عالما فيه كائنات عاقلة، تؤمن بوجود الله، يحكم الله عليها بالدخول في النار. ولكن هذا العالم ليس عالم تكليف لأن من مقتضيات عالم التكليف إثابة المؤمنين. السؤال المنطقي التالي هو: ((وما الذي يضمن لك أن هذا العالم عالم تكليف؟)) جوابي: ما الذي يضمن لي أني لا أعيش في حلم طويل؟ ما الذي يضمن لي صدق حواسي وعقلي؟ ذكر الإمام الغزالي هذا الإشكال في "المنقذ من الضلال" وكيف أنه أرقه بحيث اعتبر نفسه سفسطائيا في حقيقة الحال لبعض الوقت. لم يجد هناك حجة عقلية تقطع هذا الشك حتى أيقن أنّ الأمر إنما هو "نور من الله تعالى يقذفه في القلب". تستطيع أن تقول: هي فطرة مجبول الإنسان على التصديق بها ولا يملك إلا أن يصدّق بها إلا إذا كان مجنونا (غير مكلف). ولكني أعترف بأني لا أزال غير مرتاح تماما لهذا الجواب.