ملحق ب
بسم الله الرحمن الرحيم
الظاهرة المحمدية (أحد فصول المساق المقترح عن العلم والإلحاد)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه
"وقل رب زدني علما"
وبعد،
فهذه خلاصة موضوع الظاهرة المحمدية في المساق المقترح "العلم والإلحاد"، أكتبها هنا لأن من الإخوة من استهجن هذا العنوان وغاب عنه المقصود
مقدمة:
المقصود في المساق المقترح "العلم والإلحاد" توجيه الطالب المنفتح الباحث عن الحق إلى البحث المتجرد المنصف الحقاني الصادق... وفي هذا السبيل تتزاحم الحجج المقنعة التي تقطع باستحالة أن يكون العلم داعيا للإلحاد ... طالب الحق والعلم بصدق لا يسير إلا في درب الإيمان.
في هذا الفصل نفصّل الحديث في حجة من أسطع الحجج على وجود الله تعالى. هذه الحجة أصلها في القرآن الكريم وووجِه بها أهل مكة، ويُواجه بها الآن ويُتَحدّى بها الآن المتخصصون بالعلوم الإنسانية. التحدّي هو: "كيف تفسّر ظاهرة تاريخية معروفة تفاصيلها وآثارها هي خروج رجل عمره أربعون عاما على قومه مدعيا أنه رسول الله وأنه يوحى إليه.. وإتيانه بكتاب من الله.. وتأسيسه لدين جديد ولمجتمع جديد ولإمبراطورية؟؟ ماذا كان دافعه؟ هل كان هو نفسه مصدقا لما يدعيه؟ من أين له العلم بكل هذا الذي يقوله؟ وكيف تأتى له هذا النجاح الباهر؟"
أي عالم من غير المسلمين يتحلى بشيء من الإنصاف يدرس السيرة النبوية الشريفة، يُصدم بهذه الحجة. هناك شيء خارق معجز في "الظاهرة المحمدية" ولعل هذه الحجة كانت أكبر بوابة لدخول مثقفي الغرب في الإسلام. (انظر مثلا)
السياق الأكاديمي للموضوع:
حجة "الظاهرة المحمدية" للتدليل على صحة الإسلام تقابل حجة المعجزة التاريخية للمسيح التي تُستعمل للتدليل على صحة المسيحية. وهذه الحجة المسيحية تمثل إحدى أهم الدعائم المنطقية للدعوة المسيحية في الغرب (خاصة أمام المد الإلحادي هناك). تأمّل معي الفيلسوف الأميريكي البروتستانتي ويليام لين كريغ (William Lane Craig) الذي يعتبر الآن من أهم المفكرين المؤثرين في العالم (من أهم 50 في بعض القوائم). هذا الرجل نذر حياته للدعوة للدين المسيحي بعد أن أصبح مسيحيا في بداية شبابه، وقرر أن يتخصص في البرهنة على صحة الدين المسيحي بالمنطق والعقلانية والعلم ولهذا توجه إلى الفلسفة والتاريخ وتخصص فيهما معًا. أما في الفلسفة فقد كانت رسالته في الدكتوراة في "برهان الحدوث" الإسلامي المعروف في علم الكلام الذي سماه كريغ البرهان الوجودي الكلامي The Cosmological Kalam Argument وطوّره ليكون أهم سلاح له في مناقشة الملحدين (كتبه ومناظراته مشهورة... انظر في اليوتيوب). وأما في التاريخ فقد تخصص كريغ في موضوع "يسوع كما يعرفه التاريخ" “The Historical Jesus” ونال فيه الدكتوراة أيضا. خلاصة حجته التاريخية هي: (روايات التاريخ التي يقبلها جمهور المؤرخين تدلّل على حقائق تاريخية عن رجل عاش في فلسطين قبل ألفي عام وصلب ثم رآه الكثيرون بعد صلبه حيا بلحمه ودمه – أفضل تفسير لهذه الحقائق التاريخية هو "القيامة من الموت" Resurrection). من المفيد الاطلاع على مناظرة كريغ وإيرمان (Craig – Ehrman - Debate) حول "قيامة المسيح" في اليوتيوب (youtube2). وليست هذه هي حجة كريغ وحده، بل إن ريتشارد سوينبورن (Richard Swinburne) الذي قد يُعد أهم فيلسوف انجليزي مسيحي حيّ، كتب حول حجة "قيامة المسيح" كتابا استخدم فيه حساب الاحتمالات لتقدير احتمال صحة "قيامة المسيح" كتفسير للظاهرة التاريخية (حساباته قدرت احتمال صحة "قيامة المسيح" بـ97%). أما أهم كتاب فلسفي وضع في الآونة الأخيرة للاحتجاج على وجود الخالق (The Blackwell Companion To Natural Theology) الذي يحشد 10 حجج تفصيلية فقد كانت الحجة الأخيرة فيه "معجزة قيامة المسيح" واستدل عليها بحساب الاحتمالات أيضا. طبعا نحن المسلمين لا نؤمن لا بالصلب ولا بالقيامة، ولكن هذه الدراسات تدلل على أن هناك حقائق تاريخية يصعب تفسيرها إلا بوجه إعجازي وهذا ما نتفق عليه مع الحجة المسيحية.
الأمر أقوى بكثير في الحجة الإسلامية. استنباط "الحقائق التاريخية" بالنسبة للحجة المسيحية قائم على روايات متأخرة قليلة محصورة تقريبا في الكتب المسيحية المقدسة ولا إسناد لها. ما يقنع المؤرخين بأنها ليست مُختلَقة اعتبارات في المتن من قبيل أن الرواية فيها إحراج للراوي ( Embarrassment argument) أو أنها تخالف أفعال المجتمع اليهودي ومجتمع الكنيسة الأولى (Discontinuity argument). أما الرواية الإسلامية فهي ذات سند معروف وكثير منها متواتر ثابت لا يتطرق إليه الشك (انظر الفصل المتعلق بحساب احتمالات نقل الروايات). أما الإعجاز الذي تحاول الحجة المسيحية إثباته بالرجوع إلى التاريخ بروايات تاريخية مليئة بالتناقضات فهو ثابت في الاستدلال الإسلامي بحجة محفوظة طوال التاريخ بالتواتر الذي لا يتطرق إليه الشك. القرآن الكريم معجزة خالدة يمكن دراستها والتفكر فيها في كل زمان. نحن هنا في هذا الفصل نناقش الحجة الإعجازية التاريخية المتصلة بالظاهرة المحمدية. أما إعجاز القرآن الكريم فسيكون في فصل آخر.
حقائق التاريخ تقطع بأن محمد بن عبد الله (عليه وعلى آله الصلاة والسلام) كان زاهدا في طلب الشهرة والسلطة والثروة والمتعة، وأنه كان عنده حس عظيم بفساد المجتمع وانتشار الظلم، فكانت عنده ولا ريب نزعة للإصلاح. ولكنه لم يبدأ بالدعوة إلا بعد أن صار عمره 40 عاما. وكان موضوع الدعوة الأهم العقيدة والتوحيد (لا الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية ولا الطموحات السياسية). والمعروف أنه كان أميا غير مطلع على كتب اليهود والنصارى. (من المفيد هنا أن نعقد مقارنة بين قصة سيدنا يوسف عليه السلام في القرآن الكريم وفي التوراة – انظر الملحق).
المقطوع به أن هذا الرجل العظيم كان صاحب مبادئ وقناعات وكان عظيم الصدق والأمانة. وكان صاحب برنامج إصلاح كذلك. والمقطوع به هو أن هذا الرجل العظيم كان يحصل له في أحيان كثيرة طوال 23 سنة ما يسميه نزول الوحي.. فيثقل ويتصبب عرقا ويغيب عن الحاضرين. فإذا انتهى نزول الوحي هذا أملى على أصحابه ما أُنزِل عليه من آيات قرآنية جديدة في غاية التماسك والفصاحة والعمق والبعد عن أساليب العرب. وكان هو يفسر ظاهرة الوحي بأن ملكا عظيما اسمه جبريل عليه السلام نزل عليه بكلام الله تعالى. (يُعزّز بالمثال عن سورة سيدنا يوسف)
ثم إن هذا الرجل العظيم قد تسنح له الفرصة ليعزز اعتقاد أصحابه به، فلا يفعل لأن هذا يخالف الحقيقة (كما حصل عند وفاة ولده إبراهيم من انكساف للشمس حَسِب الصحابة أنه حزنُ الطبيعة على إبراهيم فنهاهم الرسول العظيم عن ذلك)
السؤال هو: كيف نفسر الوحي (هذه الظاهرة التي تكررت طوال 23 سنة)؟ وخلاصة هذه الحجة هي أنه ليس هناك تفسير طبيعي لظاهرة الوحي ولا بد من القول بمصدر خارق للطبيعة (supernatural). باختصار يمكن ترتيب الحجة على الشكل التالي:
ظاهرة نزول الوحي ثابتة تكررت مئات المرات طوال 23 سنة
محمد كان رجلا صادقا كريم الخلق لا يمكن أن يكون ممثلا طوال 23 سنة بعد حياة صدق وأمانة كانت مضرب المثل لمدة 40 سنة
محمد كان كامل العقل ذكيا فطنا لا يمكن أن يكون واقعا تحت سلطان نوبات مرضية عقلية تتكرر طوال 23 سنة
محمد كان أميا غير مطلع على كتب اليهود والنصارى
محمد كان مقتنعا تمام الاقتناع بأن الوحي كان خارقا للطبيعة (بواسطة ملك اسمه جبريل)
ما نتج عن الوحي آيات قرآنية في غاية التماسك والثبات والفصاحة والعمق والبعد عن أساليب العرب والتنزه عن النقص والعيب، مع تنوع غريب في الأسلوب وشاعرية تخلو من الشعر وأسلوب قصصي مبدع وتجليات روحانية وتأملات غير مسبوقة في الكون وتناول أخاذ لأعمق هموم الإنسان وتواصل مع الرسالات السابقة وتحليل للنصر والهزيمة وإرساء لقوانين تحكم المجتمع وتأكيد للأخوة الإنسانية ودعوة للأخلاق الكريمة وانتصار للمظلومين...
لا يستطيع محمد أن يأتي بمثلها (على الرغم من ذكائه وفطنته وبلاغته وفصاحته)
إذن (من كل ما سبق) ظاهرة الوحي خارقة لا تفسير طبيعيا لها
هذه الحجة تبرهن على الإعجاز الخارق للطبيعة في الظاهرة المحمدية. وهذا يكفي لإقناع الملحد أن نظرته الإلحادية لا يمكن أن تكون صحيحة. ولكن أهمية هذه الحجة تكمن أيضا في أنها توجه لكل مؤمن بالله لا يؤمن بالإسلام، فهنا ينتقل الكلام إلى مصدر الإعجاز: هل هو رحماني أم شيطاني؟ وإذا ثبت أنه رحماني (التعوذ المتكرر بالله من الشيطان الرجيم ولعنه وذمه يبعد أن يكون من مصدر شيطاني!!) ثبتت صحة ما نزل به الوحي.
المنكرون لهذه الحجة ردودهم معروفة منذ زمن الوحي: ينفون 2 ويقولون ساحر.. ينفون 7 ويقولون شاعر وكاهن .. ينفون 3 ويقولون مجنون ... أو قد يثبتون الحجة ثم يقولون بأن مصدر الإعجاز شيطاني. أما الحديثون من الملحدين المنصفين فقد كانوا محتارين: فهم لا يستطيعون إنكار عظمة ونبل سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكنهم غارقون في إلحادهم لا يستطيعون بعدُ التخلص منه. جورج برناردشو (الفيلسوف والكاتب الإيرلندي الساخر) مثلا ينفي 2 و7 فيرى أن محمدا هو العبقري المصلح العظيم الذي يستطيع أن يحل مشاكل العالم في دقائق يستغرقها شرب فنجان قهوة. أما مكسيم رودينسون الاشتراكي الفرنسي فهو ينفي 3 ويعتقد أن عجائب العقل الباطن قد تفسر ظاهرة وحي عجيب متماسك يتكرر على شكل نوبات طوال 23 سنة. هذان التفسيران الأخيران يحاولان تفسير ظاهرة تاريخية غيرت التاريخ بأنها من عمل شخص واحد اجتمعت فيه صفات لم تجتمع في انسان مدى التاريخ ... ؟؟!! إذا كنت تعتقد في هذا الشخص كل هذا الكمال والتميّز فلماذا لا تجعل وزنا لاحتمال أن يكون ما يقوله صدقا؟؟ فقط ادرس هذا الاحتمال بإنصاف!!
أضيف هنا أن هناك اعتراضا فلسفيا يرد أحيانا، يستخدمه المنكرون لرد أي حجة تدعي البرهنة على المعجزات. هذا الاعتراض يرجع إلى ديفيد هيوم الفيلسوف الاسكتلندي المشكك المعروف. خلاصة اعتراض هيوم هو أن المعجزة التي تعريفها أن احتمالها صغير جدا لا يمكن البرهنة على أن حدوثها له احتمال كبير لأن في هذا اجتماعا للنقيضين. والمعروف أن الفلاسفة ردوا على هيوم وبينوا أن الاحتمال هنا غير الاحتمال هناك. الأول احتمال عام أصلي والثاني احتمال مشروط. (لعلي أكتب المعادلات لاحقا)
هناك وجه إعجازي آخر للظاهرة المحمدية يوجه إلى علماء التاريخ وهو الظاهرة المفاجئة لانتشار الإسلام السريع الواسع على يد أبناء الصحراء الأميين المحتقرين الذي تغلبوا (رغم قلة العدد والعدة) على الحضارات الغالبة آنذاك (وكل ذلك بسبب دعوى رجل واحد)
أود أن أوضح هنا قوة هذه الحجة عن طريق دحض الردود عليها. هذه بعض الردود
هناك ظواهر مفاجئة أخرى في التاريخ لا نجد لها مثيلا. مثلا الحضارة الإغريقية كانت لسبب ما الوحيدة في التاريخ التي أبدعت مفهوم البرهان الرياضي (في حين كانت الأمم الأخرى تتعامل مع الرياضيات كاكتشافات) وعلم المنطق ...
هناك فتوحات سريعة كثيرة في التاريخ. فتوحات الإسكندر مثلا كانت شاسعة سريعة انتصر فيها على دولة عظمى هي فارس وابتلعها كلها واحتل مصر والشام وفرض عليهما الحضارة الهيلينية لثمانية قرون وبنى مدنا أصبحت عواصم العلم لمئات السنين (مدينة الإسكندرية)
هناك فتوحات سريعة شاسعة معروفة كانت على يد أبناء الصحراء الأميين المحتقرين، تغلبوا فيها على دول عظمى. أكبر مثال هو الانفجار المغولي في القرن الثالث عشر إذ استطاعت أمة قابعة في صحراء غوبي، قبائلها دائمة التناحر، عدد أفرادها مليون أن تحتل وسط آسيا وروسيا وبولندة وهنغاريا وإيران والعراق والشام وتركيا والصين وكوريا.
أما عن قلة العدد فقد انتصر هيرنان كورتيز الاسباني بـ300 مقاتل إسباني على جيش مونتيزوما المكون من 50000 رجل. واحتلت هولندة الصغيرة إندونيسيا التي تكبرها بثلاثين مرة وأدارتها لمدة 3 قرون.
هذه إجابتي على هذه الردود:
أنا لا أنكر أن انبعاث الحضارة الإغريقية كان مذهلا ولا يزال يمثل بالنسبة لي لغزا محيرا. ولكن المعلومات المتاحة لنا عن الظروف آنذاك غير متوفرة بخلاف ما نعرفه عن انبعاث الحضارة الإسلامية. وأنا لا أستبعد أن يكون في الحضارة الإغريقية أنبياء علموا أمتهم بعض أصول هذه العلوم التي بذ فيها الإغريق سواهم.
أما فتوحات الإسكندر فكانت على يد أرقى حضارة في تاريخ البشرية حتى ذلك الوقت. الإسكندر كان تلميذ أرسطو. والدول اليونانية كان من الممكن أن تكوّن امبراطورية بحرية تحرم روما من مكانتها التي احتلتها لاحقا لولا بعض مغامرات أثينا الفاشلة. ما كان ينقص الحضارة اليونانية حتى تنتشر في البلاد هو الوحدة السياسية والقدرة العسكرية. أما عندما اتحدت الحضارة اليونانية مع القدرة العسكرية المقدونية في وقت ترهلت فيه الدولة الفارسية الأخمينية فقد صار التوسع اليوناني ممكنا. فتوحات الإسكندر لا ننكر أنها عظيمة ولكنها نوعا ما مفهومة تاريخيا.
أما الانفجار المغولي فقد كان مذهلا ولا ريب. ولكنه مفهوم تاريخيا. الأمة المغولية كانت أمة مقاتلة من الرعاة الرحل. وكان هؤلاء المليون إذا رحلوا معا (معتمدين على ملايين الخيول التي كانت بحوزتهم) يستطيعون أن يكونوا جيوشا من مئات الآلاف من المقاتلين. وفي زمنهم كانت تقنية القوس والنشاب كافية لكسب الحروب وقد كان عند المغول أفضل الأقواس في العالم. ثم إن وحشيتهم المفرطة كانت تهزم أعداءهم نفسيا وتقضي على إمكانية المقاومة نهائيا. قتلوا في بغداد مليون إنسان وفي مرو نصف مليون وفي نيسابور 700 ألف وأثناء غزوهم لروسيا 4 ملايين إنسان وعند قتالهم في هنغاريا للأوروبيين أفنوا جيشا ألمانيا هناك عن بكرة أبيه. وعندما احتل المغول الصين نقص سكان الصين 60 مليون إنسان بسبب قتل الفلاحين واستفحال المجاعة. وكانت المدينة التي تقاومهم تُعاقب بأن يقتل كل سكانها من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ والحيوانات. ثم إن هؤلاء المغول المتوحشين أقاموا ممالك وحضارات كان لها دور في التواصل العلمي والثقافي في العالم القديم بشكل لا نعرف له سابقا. هولاكو هذا الذي قتل في بغداد مليون إنسان بنى في المراغة أكبر مرصد فلكي عرفته الإنسانية حتى ذلك الوقت (عمل فيه العلماء المسلمون والصينيون). إذن، هناك شيء من التشابه مع الفتوحات الإسلامية. الاختلاف المثير للاهتمام بين الفتوحات الإسلامية والغزو المغولي أبينه في الحقيقة التاريخية التالية: المغول في الصين أصبحوا صينيين وتكلموا الصينية وتبنوا الحضارة الصينية. المغول في العالم الإسلامي أصبحوا مسلمين وتبنوا الحضارة الإسلامية. أما أبناء الصحراء العرب المسلمين فقد انتصروا على الإمبراطورية الفارسية التي كانت أولى الإمبراطوريات التي عرفتها البشرية. وكان لهذه الإمبراطورية تراث أدبي وديني وإداري يعتمد على اللغة الفارسية القديمة (إحدى اللغات الهندوأوروبية). وعندما انتصر المسلمون على الدولة الفارسية الساسانية سيطروا فقط على الشوارع الرئيسة وبنوا لأنفسهم مدنهم في جنوب العراق (الكوفة والبصرة) وهاجروا إليهما. فجأة، (كما تقول كتب اللغة والتاريخ) اختفت اللغة الفارسية لمدة 200 سنة تماما لتظهر ثانية بشكل ناضج في آخر العصرالعباسي على شكل اللغة الفارسية الحديثة التي تتكون 40% من مفرداتها من اللغة العربية. وهذه اللغة الفارسية هي العمود الفقري للغات التالية: الطاجيكية والداري والأردو والهندية والعثمانية والفارسية الإيرانية. أبناء الصحراء جعلوا أهل الحضارة ينسون لغتهم!! لمدة لا تقل عن 200 سنة. أبناء الصحراء هؤلاء كانوا هم المعلمين! هذه الظاهرة خارقة بكل معنى الكلمة.
وأما عن قلة العدد والعدة فقد كان الإسبان في حربهم ضد الأزتيك أهل عتاد وعدة. كان عندهم البارود وكان عندهم سيوف فولاذية ممتازة. وكانت سفنهم مزودة بالمدافع. وأكثر ما أفادهم في قتالهم تقديس أعدائهم لهم فهؤلاء الإسبان الذين تنمو لهم لحى ويركبون دواب غريبة (خيل) ويأتون من وراء البحار بسفن عجيبة لعلهم أبناء الآلهة. لا أريد أن أذكر التفاصيل، ولكن النصر الإسباني الشجاع المذهل على الأزتيك مفهوم تاريخيا. وأسهل منه للفهم استعمار هولندة لأندونيسيا وانجلترة للهند.
الخلاصة هي أن انتشار الإسلام ظاهرة تاريخية لا تفسير ماديا لها!!