اللانهاية الفعلية في 50 نقطة
May 10, 2018
هذه ملاحظات كتبتها في يونيو 2017 ردا على فيديو يوتيوب اكتشفته آنذاك (تجده الآن هنا: https://www.tvibrant.com/watch/%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D8%A9%D8%9F–%D8%A3-%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D9%81%D9%88%D8%AF%D8%A9__RvNKs3cHxqc/) عرّض فيه الأستاذ سعيد فودة بي شخصيا (وإن لم يذكر اسمي أدبا) من ناحية فهمي للانهاية وإمكان تحققها في الخارج (اللانهاية المكتملة أو اللانهاية الفعلية). هذه الملاحظات أرسلتها إلى الأستاذ سعيد الذي رد علي بكل أدب.
الغريب أن الأستاذ سعيد يبدو أنه لا يزال يعتقد (بعد كل ما كتبت) أنني أتحدث عن اللانهاية بالقوة (كما صرح في رسالته الإلكترونية لي). وهو لا يزال يعتقد باستحالة اللانهاية الفعلية (المكتملة) بناء على الاعتقاد بأنها مفهوم متناقض يعنى "غير المكتمل" المكتمل، وبناء على إيمانه ببرهان التطبيق الفاسد القائم على مقدمات فاسدة والذي رجع عن الاستدلال به كل الرياضيين والفلاسفة المتمكنين. بل تراه يطالب المخالف الذي يرى جواز اللانهاية الفعلية بإثبات وجود أمثلة متحققة للانهاية الفعلية في العالم الفيزيائي (وكأن الإنسان النهائي سيقيس كمية لانهائية في العالم ليثبت له جوازها). الخلاصة التي سأصل إليها هنا هي: "القول بالاستحالة العقلية لوجود مالانهاية بالفعل يعارض الإيمان بأن الله تعالى خالق مالانهاية من المخلوقات وخالق بينها ترتيبات اعتبارية (الزمان والمكان والسببية الظاهرية) تجري على المخلوقات ولا تجري عليه، وأن علمه يتعلق بمالانهاية من المعلومات علما حضوريا." بالإضافة إلى نتائج فلسفية سلبية كثيرة. الذي يريد منا أن نعتقد في حق الله تعالى خلاف هذه الكمالات التي يجعلها القول باستحالة اللانهاية الفعلية مستحيلة، هو المطالب بالبرهان على دعواه.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه
وبعد،
فأنا، كاتب هذه السطور، إسماعيل حمودة، دكتور الفيزياء والرياضيات الذي أشار إليه الأستاذ سعيد فودة في هذا الفيديو. تكلمنا حول المالانهاية في حديث مستعجل ونحن واقفان على الباب قبل 7 سنوات تقريبا، ولهذا أعتقد أن الأستاذ سعيد نسي تفاصيله فكان حديثه هنا غير دقيق على حسب ذاكرتي الضعيفة. أحب هنا أن أورد معلومات سريعة تخالف رأي الأستاذ سعيد في بعض النواحي وتكمل الصورة للقارئ الباحث عن الحق:
1. موضوع المالانهاية استهوى علماء الرياضيات والفيزياء والفلسفة والعقيدة من القدم.
2. ولكنه شائك من الصعب أن يقطع فيه الإنسان برأي نهائي في كل تفاصيله
3. يفرق الباحثون تبعا لأرسطو بين مالانهاية بالقوة potential infinity غير مكتملة (لا تشكل مشكلة فكرية بالمرة) وبين المالانهاية بالفعل actual infinity المكتملة (التي هي في الحقيقة مورد النزاع الذي أكتب هنا عنه)
4. مسألة النزاع: هل تجوز المالانهاية المكتملة؟
5. يفرق العلماء هنا بين مسألتين: المالانهاية الرياضية والمالانهاية الفيزيائية
6. مسألة المالانهاية الرياضية لها فرعان: الخلو من التناقض العقلي والصلاحية كمفهوم رياضي يمكن البناء عليه
7. الأغلبية الساحقة من علماء وفلاسفة الرياضيات الآن يعتقدون أن مفهوم المالانهاية (المكتملة) لا يؤدّي إلى تناقض عقلي (على الرغم من أن هناك حالات شاذة مخالفة)
8. معظم علماء الرياضيات يقبلون مفهوم المالانهاية كمفهوم رياضي صالح يبنون عليه الرياضيات الحديثة (نظام المسلمات Axiom System في نظرية زرملو فرنكل للمجموعات Zermelo-Fraenkel Set Theory فيه مسلمة اسمها مسلمة المالانهاية Axiom of Infinity)
9. بالرغم من أن الحديث هنا عن علم الرياضيات "القائم على القطعيات" إلّا أن اعتقاد هؤلاء الرياضيين ليس مبنيا على برهان يثبت خلو هذا النظام من التناقض (غودل برهن على استحالة البرهنة على خلو مسلمات أي نظام رياضي واسع بشكل كاف (يشمل الحساب) من التناقض)
10. هناك رياضيون غير قليلين يرفضون صلاحية مفهوم المالانهاية في الرياضيات (مثل أتباع المدرسة الحدسيةIntuitionism : كرونكرKronecker وبروور Brouwerعلى سبيل المثال) بغض النظر عن قناعاتهم بشأن إمكانية الوجود الخارجي للمالانهاية.
11. مسألة المالانهاية الفيزيائية يقصد بها الوجود الخارجي (في عالم الحقيقة لا في عالم الأفكار) للمالانهاية من ناحية الحصول أو من ناحية الإمكان: هل عمر العالم ما لا نهاية؟ هل يجوز وجود أجرام كثافتها مالانهاية؟ هل يمر الجسيم في مسيره في الفضاء بمالانهاية من النقاط؟
12. كل الإجابات على هذه المسائل واردة عند مفكرين محترمين:
13. راسل Russel وكانتورCantor يؤمنان بالمالانهاية الرياضية والمالانهاية الفيزيائية
14. أرسطو ومصطفى صبري لا يؤمنان لا بالمالانهاية الرياضية ولا بالمالانهاية الفيزيائية (على الرغم من أن القول بأزلية العالم عند أرسطو تستدعي القول بالمالانهاية بالفعل بخلاف دعواه بأنها ما لا نهاية بالقوة!!)
15. هيلبرتHilbert وغودلGoedel يؤمنان بالمالانهاية الرياضية ويرفضان المالانهاية الفيزيائية
16. أفلاطون وبروورBrouwer يؤمنان بالمالانهاية الفيزيائية ويرفضان المالانهاية الرياضية
17. يبدو أن كانت Kant لا يعتقد أن مسألة المالانهاية يمكن حسمها بالعقل المحض
18. أنا عن نفسي غير متحقق من المالانهاية الرياضية (وأعترف بعدم أهليتي) ولكني مقتنع تماما بالمالانهاية الفيزيائية وذلك لأسباب عقائدية في جوهرها.
19. البحث عن المالانهاية ليس بحثا أكاديميا بحتا ولكنه قد يمس العقيدة
20. تاريخيا كانت أهم حجة على وجود الله تعالى عند علماء الكلام "حجة الحدوث" Cosmological Kalam Argument: (كل حادث له محدث – العالم حادث – إذن العالم له محدث)
21. وكانت أهم حجة عند الفلاسفة "حجة الإمكان والوجوب"Cosmological Argument : (الموجود إما واجب الوجود أو جائز الوجود – جائز الوجود يحتاج إلى موجود (يسبّب وجوده - سبب) يرجّح وجوده على عدم وجوده - الدور في الأسباب مستحيل – التسلسل في الأسباب مستحيل – هناك شيء موجود – إذن لا بد من وجود واجب الوجود (سبب لا سبب له))
22. البرهنة على حدوث العالم وعلى منع التسلسل كانا غالبا عن طريق إثبات أن وجود المالانهاية يؤدي إلى تناقض عقلي.
23. مثل برهان التطبيق: تستطيع أن تقرن كل عناصر المجموعة اللانهائية بشكل واحد إلى واحد مع عناصر مجموعة جزئية فيها – التطبيق (اقتران واحد إلى واحد) يفيد المساواة في عدد العناصر وهذا يناقض كون عناصر الكل أكبر من عناصر الجزء
24. هذا البرهان فاسد لأنه يقيس المجموعات اللانهائية إلى المجموعات النهائية
25. لا يحتاج المرء إلى نفي كل صور المالانهاية ولكن نفي "سلسلة لانهائية من الحدود المتتالية المرتبطة سببيا" يكفي في الحجتين. إذن السماح بوجود المالانهاية لا يحرم المؤمن بالضرورة من أهم أدلته على وجود الله تعالى!!
26. ثم إن طالب الحق يبني الدليل على الحقائق ولا يطوع الحقائق للدليل!!
27. في وقتنا الحالي أهم من يدعو إلى برهان الحدوث من الفلاسفة هو ويليام لين كريغ William Lane Craig (أشترك مع الأستاذ سعيد في الإعجاب به)
28. كريغ يعترف بفضل المتكلمين والفلاسفة المسلمين (وبالذات الغزالي وإلى درجة أقل الكندي) ويصوغ دليلهم صياغة حديثة. في استدلاله على منع أزلية الكون يسوق كريغ حجتين فلسفيتين (للبرهنة) وحجتين فيزيائيتين (للاستئناس والترجيح).
29. الحجة الفلسفية الأولى هي استحالة المالانهاية الفيزيائية
30. بخلاف المتكلمين القدامى يسلم كريغ لمخالفيه من البداية بالمالانهاية الرياضية ويحاول أن يضعف موقف المدرسة الأفلاطونية "الحقيقية" في الرياضيات، هذه المدرسة التي ترى أن حقائق الرياضيات موجودة في عالم الحقائق الأفلاطوني وتنتظر أن تكتشف (لا أن مفاهيم الرياضيات من اختراع الرياضيين)
31. ثم يسوق كريغ أمثلة مختلفة لصور مقترحة للمالانهاية في العالم تؤدي إلى نتائج يرفضها العقل والحدس والحس العام (مثل فندق هيلبرتHilbert’s Hotel الممتلئ تماما الذي تستطيع أن تفرغ فيه مالانهاية من الحجرات لتسكن فيه مالانهاية من الزوار الجدد).
32. كثير من هذه الصور للمالانهاية لا يقبل بوجودها في عالمنا إنسان سليم المزاج. بعضها يكاد يكون تناقضا عقليا. بل يمكنك أن ترفض وجود كل هذه الصور للمالانهاية في العالم. ولكنك لا تستطيع أن تثبت استحالة كل صور المالانهاية.
33. لهذا يسوق كريغ حجته الفلسفية الثانية وهي استحالة صورة محددة للمالانهاية هي تلك المالانهاية التي تنشأ عن زيادات متتالية. بالنسبة لكريغ المالانهاية بالفعل لا يمكن أن تنشأ عن مالانهاية بالقوة وإنما تخلق هكذا دفعة واحدة.
34. في هذا السياق يناقش كريغ مثالا (هو مصباح تومسونThomson’s Lamp ) وضعه فيلسوف اسمه تومسون ليدلل على استحالة صورة محددة من المالانهاية اسمها "المهمة الخارقة" Supertask
35. راجع فيلسوف آخر اسمه بينيسراف Benecerraf مصباح تومسون وبين أن تومسون مخلّ في تحليله واعترف تومسون بهذا وعاد عن القول بالاستحالة (وكذلك فعل غيره)
36. نبه كريغ إلى تفصيل دقيق يعتمد على السببية يجعل مصباح تومسون مستحيلا. وأنا أرد على كريغ هنا وأقول له: إن ما تنفيه هو وجود سبب طبيعي لحالة مصباح تومسون الأخيرة.. أنت تسأل: ما الذي يرجح حالة المصباح المضيئ على حالة المصباح المطفأ بعد عدد غير نهائي من التقلبات وتجيب: ليس هناك أي سبب. ولكن المصباح يجب أن يتخذ حالة واحدة من الحالتين ومن المستحيل ترجيح واحدة على الأخرى وهذا يعني أن الأمر مستحيل. أقول: هذا لا يصلح لرد من يقول بأن السبب هو الإرادة الإلهية أو لمن ينفي السببية أصلا- (إضافة جديدة)
37. وهذا يكفي للتدليل على استحالة أزلية العالم الذي تعتمد فيه كل لحظة في الوجود على ما سبقها.
38. ولهذا ترى فلاسفة مسيحيين مناصرين لكريغ في المجمل يخالفونه عندما ينفي المالانهاية تماما ويقولون له: أنت لا تحتاج لهذا!!! (مثل Pruss – صفحته مفيدة http://alexanderpruss.com)
39. وكذلك ترى فلاسفة مسيحيين آخرين يخالفونه ويرفضون الانصياع لحجة الحدوث (بسبب عدم اقتناعهم بآرائه في المالانهاية لما تثبته من نقص في حق الله تعالى <نفي تعلق علم الله تعالى بمالانهاية من المعلومات> أو بسبب عدم إيمانهم بحقيقة تميز الزمان عن المكان أو تميز الماضي عن المستقبل <B- versus A-Theories of Time>!!!)
40. سأحاول الآن أن أوضح مشكلتي مع نفي المالانهاية.. إنها تتلخص في أنك إذا ادعيت أن المالانهاية مستحيلة الوجود عقلا فأنت لا تستطيع أن تستثني القدرة الإلهية ولهذا فأنت تنكر إمكانية الخلق الإلهي لهذه المالانهاية (لا عن عجز والعياذ بالله لأن القدرة الإلهية لا تتعلق بالمستحيل عقلا).
41. ثبت لدينا في النص المحكم المتواتر أن أهل الجنة خالدون فيها أبدا. أي أن هناك مالانهاية من الأحداث ستحصل لهم في الجنة. بالنسبة للعباد في الجنة هذه الأحداث مالانهاية بالقوة.
42. أنا أدعي أن هذه الأحداث في حق الله تعالى مالانهاية بالفعل لأن الله تعالى خلقها جميعا والله تعالى لا يجري عليه الزمان (ليس هناك "قبل" و"بعد" في حق الله تعالى) فليس هناك مجال للمالانهاية بالقوة.
43. باختصار لا يمكن أن تصح المقولات التالية جميعا: 1- المالانهاية بالفعل مستحيلة الوجود 2- المؤمنون خالدون في الجنة أبدًا 3- الله تعالى لا يجري عليه الزمن
44. لا أشك في أن المقولة الأولى هي التي يجب إسقاطها.
45. أما تأويل خلود المؤمنين فهو على تكلّفه صورة واحدة من كثرة مخلوقات الله. عليك بعد أن تنفي مالانهاية من مخلوقات الله تعالى في أزليته. (أي أن هناك عددا أكبر هو مجموع مخلوقات الله)
46. الاحتمال الثالث هو القول بأن الزمن يجري على الله تعالى (والعياذ بالله) بحيث يمكنك استخدام مقياس للزمن الكوني اسمه "عدد المخلوقات".
47. إذا تحوّلتُ الآن إلى مسألة العلم الإلهي فمن الممكن أن تجد من يقول لك : "المعلومات التي يتعلق بها علم الله تعالى ليست موجودة في الخارج" فلا بأس أن تكون مالانهاية.
48. ولكن ما الفرق الجوهري بين شيء ما وبين مجموع المعلومات الممكنة عن هذا الشيء؟ أنا لا أجد فرقا جوهريا بين جسم موقعه كذا وسرعته كذا ومعلومات الجسم في كمبيوتر تحاكيه. (IT from BIT كما يقول ويلر Wheeler). بل إن بعض الفلاسفة يبحثون عن احتمال كون عالمنا ما هو إلا محاكاة Simulationعلى كمبيوتر هائل سريع جدا... ما الفرق الجوهري بين روبوت على شكل ميكي ماوس برمجتُه ليهبط بالباراشوت من طيارة على ارتفاع 100 متر وبين شخصية متحركة على شكل ميكي ماوس كوّنتُها في برنامج محاكاة Simulation يحاكي حسب قوانين الفيزياء هبوطا بالبارشوت من ارتفاع 100 متر.
49. إذا كنت مقتنعا بأن المعلومة الصحيحة موجودة وجودا حقيقيا بشكل ما (في عالم الحقائق كما يقول الأفلاطونيون) فماذا عن العدد ط (pi) في النظام العشري؟ إنه يحتوي على مالانهاية من الأرقام بعد الفاصلة. 3.1415926535897932384626433832795028841971693993751
السؤال هو: المعلومات عن هذه الأرقام (كما يتعلق بها علم الله تعالى) هل هي مالانهاية بالقوة (تُحسَبُ حسابا إلى أي درجة مطلوبة من الدقة بسرعة لحظية) أم هي مالانهاية بالفعل (كل هذه المعلومات اللانهائية حاضرة)؟؟ بالتأكيد العلم بالفعل (العلم الحضوري) أكثر كمالا من العلم بالقوة!!
50. الخلاصة: القول بالاستحالة العقلية لوجود مالانهاية بالفعل يعارض الإيمان بأن الله تعالى خالق مالانهاية من المخلوقات وخالق بينها ترتيبات اعتبارية (الزمان والمكان والسببية الظاهرية) تجري على المخلوقات ولا تجري عليه، وأن علمه يتعلق بمالانهاية من المعلومات علما حضوريا.
مراجع مفيدة تجدونها في موقع gen(dot)lib(dot)rus(dot)ec
John D. Barrow-The Infinite Book_ A Short Guide to the Boundless, Timeless and Endless-Vintage (2006)
Graham Oppy-Philosophical Perspectives on Infinity (2006)
Rudy Rucker-Infinity and the Mind_ The Science and Philosophy of the Infinite-Princeton University Press (2004)
[William_Lane_Craig_(auth.)]_The_Kalām_Cosmological Argument
[William_Lane_Craig,_J._P._Moreland]_The_Blackwell Companion of Natural Theology
Wes Morriston: “Craig on the Actual Infinite”