ملاحظات سريعة على محاضرة الدكتور هشام غصيب

عن "المغزى الحضاري لعلم الفلك العربي"

ألقى الدكتور هشام غصيب قبل شهر تقريبا (في 18\10\2012) محاضرة أمام الجمعية الفلكية الأردنية والجمعية الفيزيائية الأردنية بعنوان : المغزى الحضاري لعلم الفلك العربي. وقد حضرت المحاضرة ورأيت أن لها أهمية خاصة تستحق التعليق عليها، لأن المحاضر الدكتور هشام غصيب مفكر جاد رصين مستقل الهوية الفكرية يمثل غنى للحالة الثقافية لبلدنا، ولا يجوز أن تمر إشاراته وتأملاته بدون تفكر. وثانيا لأن المحاضرة اشتملت على فرضيات تاريخية وعلمية كثيرة لا يزال الكثيرون يرددونها وكأنها من المسلمات على الرغم من أنها كلها تحتاج إلى إعادة النظر على أقل تقدير. وبما أن لي بعض الآراء المناكفة للدكتور هشام في هذه المواضيع فأنا أعتقد أن عرضها سيمثل إثراء في المناقشة المطلوبة. وكنت أتمنى لو كانت المحاضرة مطبوعة حتى أستطيع الإحالة على مواطن الاتفاق والاختلاف والتعليق ولكني سأعتمد على ذاكرتي وأرحب بتصحيح الدكتور هشام والقراء الذين حضروا المحاضرة. والله ولي التوفيق.

المحاضر البروفيسور هشام غصيب فيزيائي نظري وفيلسوف ورجل وطني محارب للاستعمار والرجعية ومفكر عربي انساني يفتخر بعروبته وبلغته العربية ويدعو لنهضة أمته العربية ولكنه يدعو لدفع الظلم عن الفقراء والمستضعفين من كل بني البشر منطلقا من موقع يساري ماركسي مبني على القناعة الفكرية. إنه رجل باحث عن الحق، ولن يمانع في أن يخالفه المخالف إذا كان منطلقا من وجهة نظر موضوعية تسعى إلى الحقيقة.

تعرض المحاضر للتركة اليونانية في علم الفلك التي ورثها العالم العربي الإسلامي بحسنها وقبيحها. ورأى المحاضر أن علماء العالم العربي الإسلامي عانوا من تناقض في التركة الإغريقية يتمثل في نظرة أرسطو العالمية الشاملة التي تتناول الفلك أيضا وحل بطليموس العملي لمسائل الفلك. لقد اكتشف العلماء المسلمون هذا التناقض وحاولوا أن يحلوا التناقض بوضع نماذج ذكية. المحاضر يعترف بفضل وبراعة فلكيي العالم العربي الإسلامي من باب وصف الحال لا من باب الوطنية الزائفة التي تبحث عن أية بطولات تفتخر بها. ولكن الموضوع الذي يؤرق المحاضر هو تفسير لماذا انطلقت الثورة العلمية في أوروبا بينما تراجع المستوى العلمي في العالم الإسلامي والعربي. وقد أشار المحاضر إلى اطلاعه على أبحاث المتخصصين في هذه المسألة وخاصة الدكتور جورج صليبا، ووضح أنه يخالف صليبا الرأي وأن لديه تفسيرا آخر لما حدث. إنه يرى مثل صليبا أن علم الفلك عند المسلمين كان متطورا إلى درجة كبيرة (على الرغم من أنه لم يصل إلى طرح أنموذج مركزي شمسي كما فعل كوبرنيكس) إلى وقت متأخر قبيل الثورة العلمية في النصف الثاني من القرن السادس عشر. ولكنه يرى أن علم الفلك كان الاستثناء في زمن الانحطاط.

تفسير المحاضر هو التالي:

العقلانية في الفكر العربي والإسلامي فككت وحوربت من قبل الرجعية الدينية.

العامل الأهم في هزيمة العقلانيين أمام المؤسسة الدينية هو هجوم الإمام الغزالي الناجح على الفلاسفة. المحاضر يرى أن الغزالي "الموظف لدى الدولة السلجوقية" استخدم العقل لتفكيك العقل واستخدم تكتيكات غير علمية هي التكفير والتفسيق.

بخلاف أوروبا لم يستطع عقلاني مثل ابن رشد اقتحام المؤسسة الدينية بينما استطاع في أوروبا عقلاني مثل توما الأكويني إحداث ثورة في الأساس الفكري للمؤسسة الدينية.

هزيمة العقلانيين في العالم الإسلامي أدت إلى تراجع الحركة العلمية الملحوظ

لا ينكر المحاضر تقدم العلوم الفلكية في العالم الإسلامي حتى القرن السادس عشر وهو يفسرها بما أعتبره الفكرة الأساسية في محاضرته: "العقلانيون لاذوا بعلم الفلك".... أي أن كل العلوم تأخرت في العالم الإسلامي ما عدا علم الفلك لأن العقلانيين صرفوا نشاطهم الفكري الظاهر إلى علم الفلك من دون العلوم.

باختصار: قامت النهضة العلمية في أوروبا لأن العقلانية انتصرت (ضمن المؤسسة الدينية) ولأن المؤسسة الدينية فقدت الكثير من أثرها وموقعها بعد الإصلاح الديني ولأن النهضة الأوروبية انتصرت لأرسطو وللتراث اليوناني، بينما انهزمت العقلانية في العالم العربي والإسلامي بسبب الهجوم الديني الناجح الذي قاده الغزالي، واختبأ العقلانيون خلف علم الفلك.

حفزتني هذه المحاضرة لمتابعة بعض ما يتداول عن الموضوع ولهذا اطلعت على 3 محاضرات للدكتور جورج صليبا ولـ13محاضرة للدكتور عدنان إبراهيم عن الإمام الغزالي الباحث عن الحق. وما اطلعت عليه زادني قناعة بأن المحاضر مجانب للحقيقة في نظرته هذه. وهذه بعض ملاحظاتي:

أهم فكرة مبتكرة في هذا الطرح هي فكرة أن العقلانيين في العالم العربي الإسلامي بعد الاضطهاد الديني لاذوا بعلم الفلك. أما باقي الأفكار المطروحة فهي كلاسيكية منذ القرن التاسع عشر. وأنا أرى هذه الفكرة أوهن من الفرضيات الاستشراقية الكلاسيكية التي ترى في هجوم الغزالي على الفلاسفة أو في الغزو المغولي أو في الأمرين كليهما معا السبب وراء تدهور الحالة العلمية في العالم الإسلامي.

انتقادي لهذه الفكرة ينطلق من كونها كلاما إنشائيا يحتاج إلى الكثير من التحرير قبل أن يصبح فرضية علمية يمكن دراستها. ما معنى "يلوذ"؟ هل لهذا "اللوذ" ما يماثله في التاريخ؟ هل لاذ عقلاء بابل بالفلك ولاذ عقلاء مصر الفرعونية بالهندسة؟ وبماذا لاذ عقلاء المايا والفرس ...؟

ثم إذا فهمنا من هذا اللوذ الانقطاع إلى هذا العلم وبذل النشاط الفكري والعلمي الظاهر فيه حصرا، ألا يدل هذا على صفة غريبة على علماء ذلك الزمن هي "التخصص"؟ متى بدأ التخصص في العلم؟ ليس قبل القرن الثامن عشر!!!

ثم ألا يعطي لوذ العلماء المضطهدين من المؤسسة الدينية بعلم الفلك انطباعا مؤكدا بأن هؤلاء كانوا من المتجنبين للفكر الديني (على الأقل في نشاطهم الظاهر)؟ كيف نفسر إذا كون الكثيرين من علماء الفلك في فترة ما بعد الغزالي والمغول من المشتغلين بعلم الأصول والكلام والفقه. ابن النفيس المتوفى في 1288 كان طبيبا وفقيها شافعيا ومتكلما ونصير الدين الطوسي المتوفى في 1288 كان متكلما اثناعشريا ومنطقيا وفيلسوفا ورياضيا. وقطب الدين الشيرازي المتوفى 1311 كان صوفيا إشراقيا متابعا للسهروردي وكتب في الأصول.

كما أن هذه الفرضية تعنى بالتأكيد أن غير علم الفلك من العلوم الطبيعية أصابه التدهور بعد الغزالي والمغول (غصيب لم يذكر المغول في محاضرته البتة ولكن الكثيرين من "المثقفين" المتحمسين دينيا أو قوميا يرددون هذا التفسير دائما). ماذا نقول عن هندسة بديع الزمان الجزري المهندس الذي توفي سنة 1206 (آه ... قبل المغول!! ولكن أكثر من 100 سنة بعد هجوم الغزالي على الفلاسفة!!) وطب ابن النفيس (ت1288) وعلم الاجتماع لدى ابن خلدون (ت1406) وطب عبد اللطيف البغدادي (ت1231) وعلم الضوء لدى كمال الدين الفارسي (ت1319) ومنطق السعد التفتازاني (ت1390) وفلسفة صدر الدين الشيرازي المتعالية (ت )1640 ... (بدون حصر للأأأمثلة)

ذكرنا في النقطة السابقة الفيلسوف الإيراني الملا صدرا (صدر الدين الشيرازي). ... وللحق فقد صدرت من الدكتور هشام غصيب في المحاضرة إشارات تدل على أنّه يستثنى إيران من الانحطاط الذي عم سائر البلاد الإسلامية... غصيب يرى أن الانحطاط في العالم الإسلامي في كل العلوم والعقليات منذ بداية القرن الثاني عشر هو القاعدة وعلم الفلك هو الاستثناء وأن الانحطاط في كل البلاد الإسلامية هو القاعدة وإيران هي الاستثناء. في الأصل هذا الاستثناء هو مثال قاتل للقاعدة counter example. يحتاج المرء إلى الكثير من التبريرات العلمية والشواهد قبل أن يدفع فرضية أن هذا الاستثناء قد أطاح بقاعدته نهائيا. لم أسمع في المحاضرة تبريرا علميا واحدا لأي من هذين الاستثناءين. بالنسبة لعلم الفلك فأنا أستغرب من العقلانيين كيف لا يلوذون إلا بهذا العلم الذي لم يكن ينفك آنذاك عن التنجيم اللاعقلاني. وبالنسبة لإيران أنا لا أجد أي اختلاف مهم مع باقي العالم الإسلامي إلى القرن السادس عشر عندما حدثت عملية تشييع كبيرة أدارتها السلطة الصفوية.

هذه الفرضية توحي بأنّ طريقة تفكير علماء النهضة الأوروبية طريقة عقلانية تختلف كثيرا عن زملائهم في العالم الإسلامي. ولكن الصورة لم تكن بهذا الإشراق الناصع. في أوروبا لم يُتقبل النظام العشري في كتابة الأعداد نهائيا إلا في النصف الثاني من القرن السادس عشر. تيشو، ثاني الأعمدة الكبار للثورة العلمية (كوبرنيكس وتيشو وكبلر وغاليليو)، فقد بعض أنفه في مبارزة بسبب بعض تداعيات نبوءاته التنجيمية (تنبأ بموت سليمان القانوني). أما غاليليو أعقل الأربعة وأبو العلم الحديث فلم يستعمل الكسور العشرية في حياته قط. بل لم يكتب في كتبه معادلة رياضية واحدة. ما أعنيه هنا هو أنّ الأحوال الفكرية لم تكن مختلفة جدا بين أوروبا والعالم الإسلامي آنذاك. على سبيل المثال كان تقي الدين بن معروف الأسدي المتوفى سنة 1585 معاصرا لتيشو وكانت إحداثياته للنجوم أكثر دقة من إحداثيات تيشو. ويقال إنه ألف أكثر من 90 كتابا. أما مرصده الأفضل في العالم فقد حرمته منه السلطنة العثمانية بعد تنجيمات فاشلة.!!

رأي جورج صليبا في الموضوع

الدكتور جورج صليبا متخصص في تاريخ الفلك عند المسلمين وله أبحاث علمية مهمة تفند بالدليل والبرهان الفرضيات الكلاسيكية التي وضعها المستشرقون والمستغربون في تفسير الانحطاط العلمي في الحضارة الإسلامية. المحاضر هشام غصيب مطلع على آراء جورج صليبا وهو بالضرورة يتفق معه في الاعتراف بتقدم علم الفلك لدى المسلمين إلى القرون المتأخرة. ولكنه يقصر هذا التقدم العلمي على علم الفلك بدون أي دليل. وكأنه يقول لجورج صليبا: لقد أتيت بأدلة لا ترد ولكنها كلها في علم الفلك. وأنا أرى أن الأولى التوفيق بين الفرضيات الكلاسيكية وبين ما وجدت أنت. نعم كان هناك تقدم علمي في الفلك ولكن هذا لا ينفي أنه كان هناك انحطاط في كل ما سواه منذ بداية القرن الثاني عشر. من الجيد عرض رأي جورج صليبا باختصار(من محاضراته أما كتابه فلم أقرأه: Islamic Science and the Making of the European Renaissance, MIT Press, 2007):

علماء النهضة الأوروبية كانوا على اطلاع على أعمال العلماء المسلمين بل إن كوبرنيكس نفسه كان ينسخ بعض أعمالهم بدون أن يفهمها حق الفهم.

قد تكون النهضة الأوروبية توجهت إلى التراث اليوناني الروماني في مجال الإنسانيات ولكنها ولا ريب توجهت إلى أرقى مستوى علمي متوفر لديهم عند دراستهم للعلوم الطبيعية وإنها لخرافة أن يُتصوّر أن علماء النهضة في هذا المجال توجهوا إلى التراث اليوناني الروماني. لقد كان أرقى مستوى علمي في العالم الإسلامي وهنا وجد رجال النهضة ضالتهم.

إنها لخرافة أن يقال إن العلم في العالم الإسلامي أصابه الانحطاط منذ هجوم الغزالي على الفلاسفة ومنذ الغزو المغولي. النشاط العلمي الإبداعي في العالم الإسلامي استمر حتى القرن السادس عشر على الأقل ولك أن تتأمل الأسماء التالية: بديع الزمان الجزري وعبد اللطيف البغدادي وابن البيطار والعرضي والطوسي وابن النفيس وقطب الدين الشيرازي وكمال الدين الفارسي ونظام الدين النيسابوري وابن الشاطر وجمشيد الكاشي والقاضي زاده الرومي وعلاء الدين القشي وشمس الدين الخفري ونجم الدين الكاتبي... فقط على سبيل المثال.

الصحيح أن المستوى العلمي في القرن السادس عشر كان متقاربا في ثلاثة مواقع في العالم: في أوروبا وفي العالم الإسلامي وفي الصين. وكان كل منها مؤهلا للثورة العلمية. ليس السؤال المناسب هو: "ماذا حصل للصين وللعالم الإسلامي فمنعهما من السبق للثورة العلمية؟" بل السؤال الصحيح هو: "ماذا حصل لأوروبا فأهّلها لنيل قصب السبق؟" الأولى بالتفسير ألّا يكون بالبحث عن عيوب في الحضارة الإسلامية وفي الحضارة الصينية بل أن يكون في البحث عن عوامل جديدة طرأت على ساحة الحضارة الأوروبية.

قد يكون التفسير هو في أن أوروبا سبقت (لأسباب مختلفة) للكشوفات الجغرافية (في نهاية القرن الخامس عشر) فأوجدت طرقا جديدة للتجارة منعت الآخرين من مصادر دخل مالي ومصادر احتكاك ثقافي مهمة. الأمر المهم في هذه الظاهرة هو أنّ تكدّس الأموال والنشاط التجاري المحموم أدّيا إلى فتح آفاق رأسمالية جديدة للأوروبيين وإغلاق آفاق (تجارية) كانت متوفرة للآخرين. بالنسبة للعالم الإسلامي على الأقل كانت المعاناة من تحول الخطوط التجارية عن أراضيه كبيرة وجوهرية.

يتجلى هذا التطوّر النوعي في سباق التطوّر بالتغير الذي بدأ يصيب مفهوم العلم نفسه... إذ تخلّى العلم عن مثاليّته اليونانية التي تسعى إلى قيمة عظمى هي "الحقيقة" وبدأ يسعى إلى قيم رأسمالية واقعية هي "المال" و"الشهرة = القوة السوقية"... ولا يقتصر الأمر هنا على العلوم التطبيقية والهندسية بل يتعداه إلى العلوم المجردة والكشوف الفلكية. فأنت ترى، على سبيل المثال، غاليليو، أحد أهم أركان الثورة العلمية، يحاول أن يبيع أسماء أقمار المشتري التي اكتشفها لمن يدفع الثمن؟

جورج صليبا أتى بنظرية متينة رصينة مبنية على أدلة علمية دامغة. صحيح أن معظم أدلّته مستقاة من علم الفلك، ولكن هذا كان لأن تخصص الرجل في تاريخ علم الفلك ولأن الثورة العلمية في أوروبا قامت بالأساس على أيدي الفلكيين الأربعة الكبار (كوبرنيكس وتيشو وكبلر وغاليليو) وتجلت علاماتها الفارقة في أول 150 سنة (إلى زمن نيوتن) في الفلك. واقتراح صليبا لتفسير سبق أوروبا للثورة العلمية مبنيٌّ على اعتبار المال واختراع الرأسمالية والتناقضات الجديدة المحفزة في المجتمع الرأسمالي. أنا أستغرب كيف لم يرق مثل هذا الاقتراح لهشام غصيب الماركسي.

و صليبا ليس وحده القائل بضحالة الخرافة التي تدعي انحطاط العلم في العالم الإسلامي منذ القرن الثاني عشر. غيره من المتخصصين في تاريخ العلم في العالم الإسلامي نبّه إلى مستوى إنتاج العالم الإسلامي العلمي والتقني الراقي في علم الفلك وفي غير علم الفلك (اقرأ لديفيد كينغ مثلا وتلمّس نظرة الإعجاب التي لا يخفيها بعلم المسلمين وخاصة في الدولة المملوكية).

ملاحظاتي على نظرية جورج صليبا تقتصر على التالي:

أنا أميل إلى تقديم زمن بداية تميّز الحضارة الأوروبية عن الصينية والإسلامية بقرن تقريبا عن تقدير جورج صليبا. بينما يرى جورج صليبا الكشوف الجغرافية السبب المباشر الذي يفسّر بداية تميّز الغرب في القرن السادس عشر أعتقد أنا أن بداية التميّز الأوروبي كانت في بداية القرن الخامس عشر عندما ابتدعت الدويلات الإيطالية النظام البنكي. (عائلة مديتشي البنكية حكمت فلورنسا وابتدعت نظام سندات مهول ساعدها على توفير أموال سائلة بكميات هائلة ثم شجعت العلم والهندسة والفن والأدب بشكل غير مسبوق). نشأة الرأسمالية في أوروبا هي الظاهرة التي تحتاج إلى تفسير.

البحث عن تفسير الحوادث التاريخية تفسيرا حقيقيا مسألة ميئوس منها. لماذا سقطت روما؟ لقد ذكر العلماء 200 اقتراح تقريبا لتفسير سقوط روما. ومعظم التفسيرات هي إحالة على ظواهر تحتاج هي نفسها إلى تفسير. التاريخ يستعصي على الوصف العلمي أكثر من العلوم الطبيعية والطبية والاقتصاد وعلم الاجتماع ... فهو يحتوي على هذه العلوم جميعا ومتغيراته كثيرة وقوانينه غير حتمية indeterministicومعادلاته غير خطيةnonlinear . إذا تكلمنا بلغة علم الديناميك غير الخطي nonlinear dynamicsفقد يكون هناك أنماط جذابة (attracting patterns = Attractors) احتمال أن يقع فيها مجرى التاريخ يوما ما احتمال كبير. ولكن السؤال يبقى: " لماذا هنا وليس هناك؟ ولماذا في هذا الوقت بالضبط؟ ". على سبيل المثال: اختراع الامبراطورية الوراثية (لماذا في فارس وليس في مصر أو في الصين مثلا)، والاستقرار السياسي الطويل في منطقة البحر الأبيض المتوسط تحت راية قوة واحدة (لماذا روما وليس أثينا مثلا)، والكشوف الجغرافية (لماذا البرتغال وإسبانيا وليس الصين)... وهكذا... أحيانا يكون أفضل تفسير هو "الصدفة" كما يدل على ذلك "أثر الفراشة" Butterfly Effect في ديناميك الشواش Chaos . بالنسبة لي فأنا عند تفسير الظواهر التاريخية أدعو إلى التواضع والتأمّل في الحكمة الإلهية. ما دام البحث عن الأسباب المادية الخالصة مستحيلا فلنتفكر بالمشيئة الإلهية.

على الرغم من استحالة الوصول إلى تفسير حقيقي كامل لظواهر التاريخ إلّا أنّ الإحالة على ظواهر قريبة تبرر الظاهرة المطلوب تفسيرها في صورة إطارية أكثر شمولا أمر مفيد ومطلوب وإن لم يكن إلّا تفسيرا يحتاج إلى تفسير. فقط مع وجود مثل هذه الإحالات والتفسيرات الناقصة قد يكون من المقبول أحيانا الإجابة على الأسئلة السابقة بالجواب المعهود: "الظروف المادية والموضوعية لم تكن متوفرة هنا وكانت متوفرة هناك". مثلا: فرص أثينا لفرض سيطرة على البحر المتوسط ضاعت بعد مغامرات عسكرية فاشلة في صقلية... مثلا: البرتغال كانت سباقة إلى الكشوف الجغرافية لأن ملكها هنري الملاح كان شغوفا بغزو البحر مصمما على ريادته في نفس الوقت الذي تخلّت فيه الصين عن أكبر أسطول تجاري في العالم بأوامر ملكية. في هذا السياق أرى أن رأسمالية الدويلات الإيطالية، وانتشار الطباعة بعد غوتنبرغ، والكشوف الجغرافية، وحركة التصحيح الديني، وعدم وجود سلطة مركزية قوية، كلها عوامل ساعدت على انطلاق الثورة العلمية في أوروبا. (ولعل أحد عوامل بداية النشاط المحموم المتميز في أوروبا كان الطاعون الأسود الذي فرّغ مناطق واسعة من سكانها وأعاد كتابة قواعد اللعبة في مجتمع غرب أوروبا بطريقة إيجابية.)

وماذا عن الإمام الغزالي؟

يتهم المحاضر الإمام الغزالي بأنه أحد أهم أسباب انحطاط الحياة العقلية في العالم الإسلامي. وبأنه فكك العقل باستخدام العقل. وبأنه استخدم تكتيكات غير منصفة هي التكفير والتبديع والتقوّي بالسلطة. وبأنه كان موظفا في خدمة أسياده في الإمبراطورية السلجوقية. طبعا المحاضر ينتصر لابن رشد على الغزالي ويرى في غلبة مدرسة الغزالي وهزيمة مدرسة ابن رشد دليلا على انهزام العقلانية في العالم الإسلامي. ملاحظاتي على هذا الرأي:

اتهام الغزالي بأنه أحد أهم أسباب التخلف الحضاري في العالم الإسلامي يعود إلى بعض المستشرقين في القرن التاسع عشر (لعل الفرنسي رينان* هو أول القائلين بهذه النظرية) ولكنها اشتهرت على ألسن الكثيرين من مثقفي العالم الإسلامي في القرن العشرين وقال بها كثير من الغربيين. والفيزيائي اللامع المعاصر الذي يعظمه الدكتور هشام غصيب أكثر من سائر الفيزيائيين الحاليين، ستيفن واينبرغ، من المتحمسين لهذه النظرية. (كررها في محاضراته* وفي كتاباته <http://www.nybooks.com/articles/21800-> ودافع عنها في مراسلاته<islamsci.mcgill.ca/Viewpoint_ragep.pdf> عندما ناقشه في ذلك بعض المتخصصين في تاريخ العلوم) http://blog.ghazali.org/archives/61

الغريب أن هناك من الغربيين من يرى في الغزالي أحد أسباب النهضة العلمية في الغرب (فضلا عن أن يكون السبب في التخلف في الشرق!!) (*http://www.asa3.org/ASA/PSCF/1994/PSCF3-94Aulie.html). وجهة النظر هذه تعتمد على أن الغزالي كان في حقيقة الأمر فيلسوفا يحترم أرسطو. ولكنه بخلاف الفلاسفة الآخرين الذين ذابوا في أرسطو كان ذا شخصية علمية مستقلة رفضت كثيرا من أقوال أرسطو برصانة وعلمية واستقلال فكري وتحر للحق وصدق في طلب الدليل. وقد شكّل "الفيلسوف" الغزالي سابقة مهمة في سجل الفكر الفلسفي الغربي في انتقاد أرسطو وتبيين أخطائه. وأهم علامات النهضة الأوروبية العلمية كانت النزعة الواضحة لتحدّي تراث أرسطو. أنا أذكر في هذا السياق أن هجوم بعض رجال الكنيسة في القرون الوسطى على بعض اللاهوتيين الغربيين المتابعين لابن رشد كان يعتمد على كتاب "تهافت الفلاسفة"*.

الغزالي المؤمن بالله الخالق المدبّر لم يكن ليرضى بعالم أرسطو ومتابعيه الذي لا تحكم فيه إلا الضرورة. لا وجود في هذا العالم للصدفة ولا وجود للإمكان ولا وجود للإرادة الإلهية المتصرفة. كل التغيرات التي نشهدها في هذا العالم تعود في النهاية بسببية ضرورية إلى حركات ضرورية دائرية أزلية في عالم أزلي. عالم أرسطو هذا يروق للفكر المادي الإلحادي (وإن أبدى تحفظاته على الطبيعة الميكانيكية الثابتة غير المتطورة لهذا العالم). وستيفن واينبرغ نفسه كان يتمنى العودة عن طريق العلم لهذا العالم الضروري، عندما كان يسعى (في إطار جهده العلمي في نظرية الخيوط الفائقة) إلى الوصول إلى النظرية الوحيدة المنسجمة منطقيا ورياضيا والتي تفسر كل شيء. وهو لا يخفي خيبة أمله* عندما توصل علماء نظرية الخيوط الفائقة إلى وجود نظريات كثيرة منسجمة (عددها 10500).

بالنسبة لتهمة التكفير فقد كان الغزالي رجلا باحثا عن الحق بصدق وشغف. ولهذا كان الرجل في نقاشه الفلاسفة منصفا، فقد درس الفلسفة ولخصها في كتابه "مقاصد الفلاسفة" وعارضها في عشرين مسألة في الإلهيات في كتابه "تهافت الفلاسفة" موضّحا من البداية احترامه لأقوال الفلاسفة في الرياضيات والطبيعيات والأخلاق وغيرها من مجالات النشاط الفلسفي (كان يعتبر تعلم علم المنطق فرض كفاية). ولكنه بيّن أن أقوال الفلاسفة المسلمين المتابعين لأرسطو (وخاصة ابن سينا) في الإلهيات تخالف عقائد الإسلام أحيانا. وقد وضح الغزالي أن التمسك بثلاثة أقوال من الأقوال العشرين التي ناقشها يؤدي في حقيقة الأمر إلى تناقض مع الإسلام خلاصته تكذيب النبي المعصوم في نقل القرآن وشرح العقائد. القرآن يقول بأن الله تعالى يبعث الأجساد وأنت تقول: "يستحيل بعث الأجساد". عقيدة الإسلام أن الله تعالى يعلم كل شيء وأنت تقول: "الله لا يعلم الجزئيات". عقيدة الإسلام أنّ العالم مخلوق من العدم على الصفة التي شاءها الله تعالى. وأنت تقول: العالم أزلي فاض عن الله تعالى من الأزل بضرورة (علاقة سببية ضرورية) تقتضيها صفات الذات الإلهية." أفضل ما تقوله في دفاعك هو أن النبي إنسان عظيم يسعى لخير البشر وأحيانا يقول غير الحق لمصلحة الخلق. أنت تكذّب النبي المعصوم. أنت تحترم الإسلام وتحترم نبي الإسلام ولكنك لا تؤمن بأن كل ما في الإسلام حق. إذاً أنت لست مسلما. هذه هي حقيقة التكفير. إنها توصيف موضوعي للحال الواقع وليست شتما وتهديدا ووعيدا. وعندما ينفي لينين عن كاوتسكي كونه ماركسيا فإنه لا يشتمه ولا يتوعده وإنما يبيّن حقيقة أن أفكار كاوتسكي تخالف أفكار ماركس مخالفة لا سبيل للتغاضي عنها. أحلال على لينين حرام على الغزالي؟

وحتى في تهمة التكفير هذه فإن كتاب تهافت الفلاسفة دليل على أن الغزالي لم يكن متعصّبا متشهّيا للتكفير فلم يكفّر إلا في 3 مسائل من أصل 20. غير الغزالي كان سيكفّر الفلاسفة في كثير من المسائل الأخرى. مثلا قضية إنكار كل معجزات الأنبياء لا يكفّر الغزالي القائلين بها ولكنه يبدّعهم فقط لأنهم لا يكذّبون النبي بالضرورة ولكن يدّعون تأويلات بعيدة لكل معجزة وردت.

المسألة التي يتهم بسببها واينبرغ الغزالي بأنه سبب تدهور العلم في العالم الإسلامي هي مسألة السببية. واينبرغ يرى أن الغزالي ينفي السببية تماما ويقول بالتدخل المتواصل للذات الإلهية في الخلق. الحقيقة هي أن الغزالي كسائر الأشاعرة ينفي وجود علاقة ضرورة بين السبب والأثر وينفي إمكان الفلاسفة البرهنة على مثل هذه الضرورة (تماما مثل هيوم لاحقا الذي لم يتهمه أحد بمحاربة العلم أو بالتسبب بانتكاسة العلم). يمكن عقلا أن يوجد الأثر بدون السبب ويمكن عقلا أن يوجد السبب ولا يوجد الأثر. يمكن أن تلتقي النار بالقطن ولا يحصل الإحراق. ويمكن أن يحصل إحراق القطن بدون نار. الله هو الذي يخلق النار ويخلق القطن ويخلق الإحراق ويخلق أفكارك أنت عن سببية النار لإحراق القطن. وإذا شاء الله تعالى غير ذلك كان غير ذلك. ولكن الله تعالى شاء لنا أن نعيش في عالم ذي نواميس ثابتة (إلا في حالات المعجزات)، في عالم مناسب لحياة التكليف التي ارتضاها لنا. وهذه النواميس الثابتة (=قوانين الطبيعة) تتجلى في سببية ظاهرية (غير ضرورية) لا ينكرها أي عاقل، بل يأمر الشرع الحنيف بمراعاتها (الأمر بالأخذ بالأسباب). واعتقاد أن الله تعالى هو الخالق الحقيقي لكل الأفعال في العالم لا يتنافى مع إثبات نسبة الفاعلية بالمعنى الظاهري للأسباب المخلوقة. الغزالي بهذا المعنى لا ينكر أن النار تحرق. الغزالي لا يعجبه عالم الفلاسفة الذي لا يحتاج إلى إله إلا كمحرك أول تماما كما لم يكن عالم ديكارت ولايبنتز يعجب نيوتن الذي كان يؤمن بعالم يحتاج إلى الإله دائما.

هناك صيغة لتفسير تأثير الغزالي السلبي على العلم في العالم الإسلامي ليس فيها أي توجيه لوم للغزالي لأنه تأثير غيرمقصود من الغزالي نفسه، ولكن المحاضر الدكتور هشام غصيب لا يتبناها. هذه الصيغة هي أن متابعي الغزالي هم الذين أساءوا استغلال اسم وشهرة الغزالي ووجهوا تراث الغزالي في غير ما كان يرغب الغزالي. لقد حصل مثل هذا في التاريخ مرارا. نيوتن الانجليزي، مخترع التفاضل والتكامل وأكبر علماء الرياضيات في عصره، كان السبب في تراجع الرياضيات في انجلتره عن مستواها في القارة الأوروبية لمدة قرن ونصف تقريبا، ولم يكن لنيوتن في هذا الأمر أية جريرة. السبب كان أن علماء الرياضيات في انجلتره تعصبوا لابن بلدهم نيوتن في صراعه مع لايبنتز حول الأسبقية في اختراع حساب التفاضل والتكامل. وكان أن صمم هؤلاء بعد موت نيوتن على المحافظة على الشكل النيوتني للتفاضل والتكامل ومقاطعة الشكل اللايبنتزي الذي تبنته القارة الأوروربية فحرموا أنفسهم من متابعة التطورات العظيمة في رياضيات القارة الأوروبية. ولكني أرى أن مثل هذه الصيغة لا تصلح في حالة الإمام الغزالي لأن الواقع التاريخي لا يسجل انحطاطا في النشاط العلمي مقارن لنشاط أو اشتهار الإمام الغزالي. (بخلاف ما سجل التاريخ من تراجع لمستوى الرياضيات في انجلترة بالمقارنة بأوروبا بعد وفاة نيوتن)

الغزالي كان بعيدا عن السلطة. وكانت السلطة تتودد إليه. ولكنه بعد اعتزاله عاهد الله تعالى على أن لا يغشى أهل السلطان قط. وفي بعض رسائله* توبيخ لملك السلاجقة ينبئ عن رجل معتدّ بنفسه لا يخشى السلطان.

أنا أنصح بقراءة "المنقذ من الضلال" فهي سيرة ذاتية لرجل صادق في البحث عن الحق. هناك من يقطع بأن ديكارت في منهجه استفاد استفادة مباشرة من "المنقذ". المهم عندي هو تلمس مقدار الصدق والأصالة عند هذا الرجل. لقد كان هذا الرجل ينهى عن التقليد ويأمر بتعلم المنطق ويدعو للشخصية العلمية المستقلة. اقرأ ما يكتب عن نفسه:" وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري ، غريزة وفطرة من الله وضُعتا في جِبِلَّتي ، لا باختياري وحيلتي ، حتى انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا ؛ إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوءٌ إلا على التنصُر ، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود ، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام". كما كان هذا الرجل تقيا ورعا مخلصا يتابع نفسه الأمارة بالسوء فيروضها ويفحص قلبه فيصدق في طلب علاجه. وكان يستشعر مسؤوليته كعالم تجاه الأمة والمجتمع. ومن هذا الباب رد على الفلاسفة والباطنية (الإسماعيلية) وكتب للعوام وكتب بالفارسية. وأما نهيه عن فتح المواضيع الصعبة مع العوام (إلجام العوام عن علم الكلام) فلا أعتقد أن موقفه هذا يؤدي إلى تراجع العلم. ولابن رشد موقف مشابه. فهل يدعونا هذا لاتهام ابن رشد بالتسبب بانحطاط العالم الإسلامي؟ وأما دعوته العوام والمريدين البسطاء لتجنب علوم الفلاسفة الصحيحة (كالرياضيات والفلك ...) فهذا لأنه لا يريدهم أن ينبهروا بهم في الصحيح فيتبعوهم في الخطأ وهم لا يزالون مبتدئين لا يتقنون المبادئ. وأنت إذا منعت طفلك من السباحة خوفا عليه من الغرق فهذا لا يعنى أنك عدو السباحة!! ولكن الإنصاف يدعونا للاعتراف بأن الغزالي لم يكن أيضا من المتحمسين لعلم الفلك وعلم الرياضيات!!

في النهاية أحب أن أذكر القرّاء بأن الغزالي كان باحثا عن الحق ... باحثا عن معنى الحياة... وقد كان صادقا مخلصا في بحثه. وهذا مثال ضربه الغزالي للإنسان الفاني: "مثل الإنسان في عمره كمثل رجل كان يبيع الثلج وقت الصيف، (والثلج بضاعة مزجاة) ولم يكن له شيء سواه، فأصبح ينادي ويقول: ارحموا من رأس ماله يذوب". الغزالي لم يشأ أن يترك رأس ماله يذوب بدون أن يحقق مراده في الوصول إلى الحق. رحمه الله تعالى رحمة واسعة... اللهم اجعلنا من السالكين الواصلين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عمان في 3/12/2012 إسماعيل حمودة