ملحق ج

ما هي "مبادرة الضمير المستريح"؟

كنت (ولا أزال) أحزن عندما أجدني أجدّ في تعليم أبنائنا الطلاب البريئين الذين أحبهم وأتعب في ذلك ثم تكون النتيجة أقل بكثير مما كنت آمله ومما نجده في أنظمة التعليم الجامعي في بلدان كثيرة كانت في التعليم إلى وقت قريب متخلفة عن بلداننا بكثير. اتضح لي أن هذا الذي أشاهده ظاهرة عامة لعلها تكون في الجامعات الربحية أكثر حدة من الجامعات غير الربحية. وليست هذه الظاهرة العامة من جريرة طلاب مذنبين مقصرين ولكنها إفراز طبيعي لمجتمع يعاني بعمق من الفساد والكساد جعل معظم الطلبة في الحقيقة طلاب شهادات لا طلاب علم. وإذا كان الوصول إلى مجتمع خال من الفساد والكساد هدفا استراتيجيا بعيدا لا تزال الأمة العربية تطلبه منذ قرون، فقد وجدت أني لا أستطيع أن أمارس مهنة التعليم الجامعي بضمير مستريح بالاستسلام لهذه الظروف بدون أن أقوم (أو أحاول القيام) بخطوات فيها خير على المدى القصير والمتوسط وفيها تحضير للهدف الاستراتيجي المرجو البعيد. وقد وجدت أن المخلصين من المدرسين لم تحطمهم الأحزان ولا يقبلون بالأمر الواقع وكلهم يسعى باجتهاده إلى ما فيه "راحة ضميره". وهكذا تجمعت اقتراحات متفرقة بدأت مبادرات فردية من المدرس ثم تطورت لتقنع الزملاء وتشمل أعضاء أقسام وكليات ثم ترسخت القناعة بأن الفائدة لا تكون جلية واضحة إلا إذا تبنت الجامعة بنفسها بكلياتها ومدرسيها إجراءات ومشاريع مجموعة في إطار واضح. وهكذا "كانت مبادرة الضمير المستريح".

1-1 التعريف بالمبادرة

مبادرة الضمير المستريح تعرّف نفسها على أنها سعي لتحقيق أفضل ممارسة للتعليم في جامعات ربحية في ظروف الكساد والفساد. المدعو للسعي هو المعلم والجامعة الربحية. وظروف الكساد والفساد هي الأحوال التي تغلب على مجتمعاتنا من الواسطة والمحسوبية (الفساد) والبطالة والانكفاء الاقتصادي (الكساد) فتسد الافق في سوق العمل أمام خريج الجامعة ذي الكفاءة والقدرة والعلم وتنتهي بمعظم طلاب الجامعات إلى أن يكونوا طلاب شهادات لا طلاب علم. والمقصود بأفضل ممارسة للتعليم هو تحديد إجراءات آنية على مستوى الجامعة والمدرّسين تحقق أعلى ناتج (علمي ووطني وأخلاقي) بأقل كلفة (مادية وعلمية وأخلاقية) وتحضر الجامعة لزمن ما بعد الفساد والكساد.

المبادرة تنطلق من الاعتراف بالواقع السيئ والدعوة إلى تغييره. تميز المبادرة بين مظاهر الواقع السيئ الموجودة خارج الجامعة التي يجب على المجتمع بأسره أن يعمل على اجتثاثها (الواسطة، البطالة، تقييم المجتمع لأفراده حسب الشهادات، المتاجرة بالتعليم) والمظاهر السيئة في عملية التعليم الجامعي داخل الجامعة (مخرجات علمية ضعيفة وكفاءات نادرة وخدمة للمجتمع وللأمة باهتة) التي يمكن للمعلم وللجامعة أن تتداركها، فتتوجه إلى النوع الثاني وتقترح إجراءات واقعية، غير تخديرية، غير ترقيعية، مختلفة، تعمل على أن "يريح المدرس الجامعي في هذه الجامعة الربحية ضميره ويعمل على تحقيق رسالته" وأن"تحافظ الجامعة الربحية على الربح ولا تضيّع رسالتها العلمية والوطنية والأخلاقية" بالرغم من وجود النوع الأول من المظاهر السيئة. تحاول "مبادرة الضمير المستريح" أن تطمئن طالب الشهادة بأنه سيحصل على الشهادة التي يريدها بدون تأخير وبدون رسوم إضافية ولكن مع جرعة أكبر من العلم والقدرات والمهارات والشعور الإيجابي بإنتاج شيء يفيد الآخرين، وأن تطمئن الجامعة الربحية بانها ستحصل على عائد مادي جيد ولكن مع تحسين للأداء وتحسين للصورة ينتهي بها إلى أن تكون جامعة ذات لون وطعم ورائحة، وأن تطمئن المدرس الجامعي بأن سنوات عمره لا تفنى هكذا بغير سدى وأن من حقه أن يشعر بالاحترام والتقدير وراحة الضمير. باختصار:

المبادرة تنطلق من اعتراف بالواقع

معظم طلاب الجامعات الربحية طلاب شهادات وليسوا طلاب علم.

وهم على استعداد للتضحية بأربع سنوات من عمرهم وبمبلغ محترم من المال في سبيل الحصول على هذه الشهادة.

والجامعات الربحية تسعى للربح ولا تستطيع المغالاة في ترسيب طلابها وإلا أفلست.

والمعلم المخلص صاحب رسالة ولا يرضى أن يذهب جهده وعلمه سدى ... لا نفع فيه لا للعلم ولا للأمة (التي يفترض أنها أمة محاربة) ولا للمجتمع ولا للإنسانية ولا لنفسه (إلا من راتب يسعى في رفعه ولقب يسعى في تلميعه)... هذا المعلم ضميره غير مستريح.

المبادرة تسعى لاستغلال الثمن الذي يدفعه الطالب (سنوات العمر والمال) لتحصيل أكبر نفع ممكن بأقل كلفة.

المبادرة تشمل اقتراحات لمشاريع وإجراءات يتم تقييمها على أساس أنها مسألة تحسين (optimization) علينا تحديد النفع والكلفة فيها.

1-2 معايير النفع والكلفة

تقييم الإجراءات المقترحة يكون على أساس أنه مسألة تحسين (optimization) علينا تحديد الناتج والكلفة فيها.

أ- "النفع": الناتج الذي نريد تكثيره هو:

تحصيل الطالب العلمي المباشر (التحصيل العلمي في تخصصه): هذا يطال المنهاج (syllabus) ومدى تغطيته وآلية دفع الطالب للتعلم بدون المماطلة في منح الشهادات.

تحصيل الطالب العلمي غير المباشر (الثقافة والمهارات والقدرات): هذا يتضمن ثقافة الإنتاج وثقافة الإيجابية وثقافة الانفتاح على العالم والإنصاف وثقافة مراقبة النفس والقدرة على السجال والمناظرة والبحث العلمي والتحليل الإحصائي ومهارات اللغات الأجنبية والثقافة العامة والثقافة الدينية والوطنية والأدبية وقدرات التواصل عبر الإنترنت.

الإنتاج العلمي للمدرس: كيف يستفيد المدرس من طلابه في أبحاث علمية (ولو كانت غير ذات صلة بتخصصه)

الإنتاج المفيد للمجتمع: مثل تكوين قواعد بيانات للغة العربية ووضع كتب عربية مُحَرَّكة ومقروءة وتكوين قواعد بيانات (باللغة الانجليزية) للدفاع عن القضايا الوطنية (القضية الفلسطينية) وضد الاسلاموفوبيا .. بالإضافة إلى دراسات إحصائية مختلفة (أحوال الشباب النفسية والثقافية والأخلاقية والدينية ...)

تحسين صورة الجامعة وجعلها قدوة لغيرها

ب- أما الكلفة التي نحاول تقليلها فهي:

النيل من قيمة التعليم الجامعي (بأن تتحول المناهج الجامعية إلى مناهج مدرسية مثلا)

النيل من سمعة الجامعة (جامعة تبيع شهادات – لا فرق بين مدرسيها ومدرسي الابتدائية – خريجوها عديمو المهارات والشخصية)

نقص جاذبية الجامعة بالنسبة لطالبي الشهادات (هذه جامعة متعبة – صعوبة العمل والدراسة معا)

التكاليف المادية: (إنشاء مؤسسات داعمة داخل الجامعة – استقدام عدد إضافي من الموظفين – دفع رواتب مرتفعة ..)

الدعوة إلى التسيّب الأخلاقي (التغيب بدون عذر – تبخّر قيم الالتزام والعمل والإنتاج والاجتهاد – شراء الأبحاث والحلول - الغش)

1-3 أمثلة لإجراءات مقترحة على الجامعة

استقدام أعضاء هيئة تدريسية متمكنين، ذوي رؤية من أهل الإخلاص والاجتهاد والانفتاح. الدليل على تمكن المدرس ليس الدرجة العلمية ولا الشهادات وإنما القدرة العلمية والتعليمية (الاستعداد لتصوير محاضراته) والمهارات الخاصة المنتجة (productive) والمذللة للصعاب (problem solving). مثل هذه المهارات لا يستدل عليها بعدد الدورات التي حضرها الشخص ولا بعدد الشهادات وإنما بالحل العملي لمسألة تعرض عليه. هذه أمثلة:

ما أحسن أن يكون في الجامعة خبير في الأردوينو (Arduino, Raspberry Pie) يساعد على تصميم تجارب علمية (للروبوتكس والفيزياء ولعلها تكون تجارب مساندة لمحاضرات الفيزياء) ويستطيع أن يعلم زملاءه

ما أحسن أن يكون في الجامعة خبير في برمجة الأندرويد يستطيع أن يصمم برمجيات بسيطة قد تستخدم في مشاريع الطلبة (العلمية والإحصائية ...)

ما أحسن أن يكون في الجامعة خبير في Linux يستطيع ربط الجامعة مع نظام WebWork للأسئلة المفتوحة في الرياضيات مثلا، ويشجع على التوجه إلى المصادر المفتوحة غير التجارية (open resources)

ما أحسن أن يكون في الجامعة لغوي متمكن يعتمد عليه في تصحيح الخطابات والوثائق الرسمية التي تتداولها الجامعة وله موقع في صفحة الجامعة للإجابة عن الاستفسارات اللغوية (الوضع الحالي مخز بمعنى الكلمة). ولعل الأمر يتطور إلى أن يصبح في الجامعة مكتب للمجمع اللغوي يصدر الفتاوى اللغوية.

ما أحسن أن يكون في الجامعة فقيه متمكّن في المذاهب الأربعة يتوجه إليه الطلاب والمعلمون بأسئلتهم عند الحاجة (له موقع في صفحة الجامعة)

ما أحسن أن يكون في الجامعة متخصص في القضية الفلسطينية يعمل على جمع كل الوثائق ويساعد الطلاب على الإجابة على الشبهات المطروحة في الشبكة العنكبوتية (Quora – Wikipedia)

يجب على الجامعة أن تضرب المثل في توظيف الأكفياء المتمكنين.

هذا الإجراء سيزيد كل النواتج: أ1 إلى أ5. وسيقلل كل الكلف ما عدا الكلفة المادية ب4.

مكافأة الطلاب المتميزين. أعني بالطلاب المتميزين المتفوقين بالتحصيل العلمي وأصحاب المشاريع المتميزة والمتفوقين في المسابقات والمتفوقين رياضيا وأدبيا... الخ. والمكافأة تكون بالمنح الدراسية الكاملة أو الجزئية وبالتوظيف في الجامعة بعمل جزئي (مساعد للدكتور في تصحيح الأوراق – معلم لطلبة المراحل الأولى tutor) وبالابتعاث للدراسات العليا وبالمساعدة في سوق العمل. هذا الإجراء سيشجع التنافس بين الطلبة وقد يحول بعض طلاب الشهادات إلى طلاب علم. وهذا يزيد بشكل مباشر الناتج أ1 وأ5 ولكنه سيزيد الكلفة المادية ب4.

إنشاء مكتب ارتباط في الجامعة مهمته البحث عن الوظائف الشاغرة في السوق وتقديم الطلاب المستحقين لها والبحث عن المنح الجامعية لدراسات التخصص العليا للطلاب المتفوقين. (هذا الإجراء سيشجع التنافس بين الطلبة وقد يحول بعض طلاب الشهادات إلى طلاب علم. وهذا يزيد بشكل مباشر الناتج أ1 وأ5 ولكنه سيزيد الكلفة المادية ب4.) بالإضافة إلى هذا قد يؤدي الاتصال المتزايد بالمؤسسات الصناعية وبالشركات والمراكز التجارية إلى تعاون علمي وتعليمي وتدريبي يزيد الناتج أ2 وأ3 وأ4

التحول إلى نظام علامات نسبية بالرموز (تحريا للصدق في تقييم الطلاب)

تفعيل نظام مساعدة الطلاب القدامى للطلاب الجدد (Tutoring System)

تفعيل نظام لتكرار الامتحانات الإلكترونية بشكل عشوائي (يمكن استخدام برامج رياضية مجانية مثل ماكسيما Maxima داخل نظام مودلMoodle ) [وخاصة في المواد الرياضية والفيزيائية والهندسية]

العمل على تطوير المساقات الكلاسيكية بنكهات مختلفة (سنضرب مثلا مادة "مختبر الفيزياء") وعلى تطوير مساقات جديدة (مثلا: "العلم والإلحاد") وعلى تطوير مساقات تؤدي إلى الحصول على شهادات عالمية تفيد الطالب (مساق بالانجليزية يفيد في IELTS).

العمل على ربط المواد التعليمية بنشاطات عملية (الرياضة والصحة [تربط بنادي الجامعة الرياضي]– علوم عسكرية [تربط بدورات "تاكواندو" أو "رماية" أو "معارك تاريخية"]– الانسان والبيئة [تربط بمركز للبيئة تنشئه الجامعة وتفعّل فيه فصل وتدوير النفايات])

العمل على تكوين MOOCS (يفضل أن تكون في البداية كورسات قصيرة مثل "علم وصف الحركة – الكينماتيكا"، "مسألة كبلر – أهم مسألة في تاريخ تطور العلم"، "لماذا ينتشر الإلحاد في أوساط العلماء؟" )

تنظيم المنافسات والمسابقات على مستوى المملكة (المنافسة معدية) [الثقافة العامة – تلاوة القرآن الكريم – أجمل خط – النحو العملي – المبارزة الشعرية – أدق تحديد للقبلة – الشطرنج الخاطف – العزف الموسيقي - ...]

تفعيل نظام تفاعلي داخل الصف (Clicker System) [يمكن أن يكون ببرامج مجانية على الهاتف الذكي]

تكوين مراكز بحثية خاصة (مركز للغة العثمانية [يدرس ملايين الوثائق العثمانية] – مركز لتحليل الحمض النووي [يساعد في دراسة الأنساب] – مركز لترجمة وتكوين الـmoocs – مركز لبرمجيات اللغة العربية – مركز للدراسات الإحصائية).

إنشاء مركز تعلم (Learning Center): التصور الكلاسيكي لهذا المركز مأخوذ عن التجربة الأمريكية وهي تجربة علمية عميقة ولكنها موجهة لطلاب العلم لا لطلاب الشهادات. ولهذا أشك في فعاليتها في أوضاع الفساد والكساد. ولكنها علامة على تميز الجامعة وتساعد بشكل مؤكد في الناتج أ5.

1-4 أمثلة لمشاريع وبرامج وخطط في إطار المبادرة

هذه أمثلة لمشاريع مقترحة بالخط العريض تشترك في كونها مفيدة للطلاب والجامعة والمدرسين والمجتمع ويمكن إدراج الكثير منها في مواد دراسية مختلفة بحيث يستطيع الطالب في إحدى هذه المواد الذي يقوم بالمشروع أن يحقق جزءا كبيرا من متطلبات مادته.

مشاريع الكورسات القصيرة (ساعة أو نصف ساعة معتمدة في العطل الأسبوعية أو في الإنترنت)

كيف تكتب بحثا علميا – الوسائل الإحصائية في البحث – استخدام محركات البحث (search engine: google) ومحركات المعلومات (knowledge engine: wolframalpha)

مشاريع تخدم اللغة العربية وتهدف لتحسين برمجياتها الحاسوبية: (لغة عربية – لغة انجليزية -مقارنة لغات - نقد أدبي - أدب عالمي – المسرح العالمي ...)

الكتاب المسموع: تحريك نصوص عربية وقراءتها

كتابة نصوص المسرحيات العالمية في البرنامج الثقافي في إذاعة القاهرة (في الستينات والسبعينات) محركة (مع تصحيح الأخطاء اللغوية)

ترجمة الروايات العالمية المصورة مع تحريك الترجمة (... ثم تحويلها إلى فيلم مسموع؟؟ قراءة)

الترجمة المحركة لأفلام عالمية منتقاة ومقصوصة. ... (... ثم تحويلها إلى فيلم مسموع؟؟ دبلجة)

مشاريع البحوث الإحصائية (تفيد الأساتذة في أبحاثهم العلمية وتجعل من الجامعة مركزا للبيانات الإحصائية المفيدة عن التغيرات والنزعات الجديدة في المجتمع بطبقاته وفئاته)

مشاريع المهارات: مدة القلقلة: هل هي ثلث حركة حقا؟ (مثلا باستخدام Audacity)

مشاريع الدفاع عن القضية الفلسطينية والرد على الشبهات الدينية في مواقع الإنترنت العالمية مثل ويكيبيديا وكورا . (تفيد مواد اللغة الانجليزية والتربية الوطنية والتربية الإسلامية)

مشاريع السياحة التاريخية: مثلا تحديد موقع معركة تاريخية حصلت قبل مائة عام أثناء الحرب العالمية الأولى وتفاصيلها... الدراسة العملية السياحية للمعالم التاريخية (تخدم مادة التاريخ أو مادة السياحة أو مادة التربية الوطنية)

مشاريع تطوير مختبرات الفيزياء وتأهيل التجارب في الإنترنت: استخدام عربات المستشعرات السيّارة (مثل IOLAB أو Wireless Smart Cart) التي تعتبر نقلة نوعية مهمة في تدريس مادة مختبر الفيزياء وإعارتها للطلبة واستخدام تجارب الهاتف الذكي .. (تخدم مادة الفيزياء ومادة مختبر الفيزياء ويمكن الوصول لاحقا إلى الروبوتكس ومختبرات الإلكترونيات) ... الجامعة السباقة في هذا المجال ممكن أن تصير المسوّق لبرامج وأجهزة تشتريها منها جامعات أخرى ومعاهد وكليات ومدارس.

مشاريع تطوير لقاءات التدريس: مثلا بالنسبة للقاءات الحرم الجامعي تصبح من نوعين: محاضرات (lectures) متقنة تجتمع فيها جميع الشعب في مدرج ويلقيها دكتور متمكن (وليست للرتب في الأردن قيمة حقيقية) ويساعده زملاؤه في تحضير التجارب والتسجيل والتقطيع أو يتعاقب عليها أساتذة مختلفون في مراحل المادة المختلفة، وحلقات نقاش وحل مسائل (labs .. seminars) تكون الشعب فيها مقسمة على المدرسين المختلفين. المهم هو الإتقان ... في زمن التعليم الإلكتروني المفتوح على الإنترنت ستتم مقارنة الجامعات المختلفة بمستوى محاضراتها التي ترفعها على الإنترنت. بالنسبة للتعليم الإلكتروني ستحتدم في السوق منافسة صحية شريفة تخدم البلد والأمة العربية والتعليم الجامعي. من الممكن أن تتفق أكثر من جامعة على تصميم كورسات موك مشتركة يستخدمها طلاب الجامعات المتشاركة وجمهور التعليم المفتوح من خارج الجامعة.

بعض الانتقادات على منهجية المبادرة

مناقشة بعض الانتقادات التي وجهت لمبادرة الضمير المستريح تساعد على تفهم أعمق لهذه المبادرة وحدود صلاحيتها.

2-2-1 ليس هناك أي داع لهذه المبادرة إذا تم الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي

من البداية تقرر المبادرة أن مجالها تكتيكي قصير المدى في انتظار الإصلاح الذي تستحقه الأمة ولا تزال تنتظره منذ أكثر من قرن من الزمان. الزمن يجري وأحوال التعليم الجامعي تزداد سوءا وما لا يدرك كله لا يترك كله. وعلى الرغم من كونها مبادرة تكتيكية قصيرة المدى إلا أن كثيرا من إجراءاتها سيكون بعيد المدى وسيؤسس تراثا يُبنى عليه ومثلا يقتدى به.

2-2-2 المبادرة تستسلم لواقع السوق ولأمراض المجتمع.

فهي ترضى بتربّح المؤسسات الاستثمارية بالعلم والتعليم وتعتمد على حب المظاهر وحب المقارنة والتميّز الغالبين على أفراد المجتمع. فخلاصة المبادرة أنها تسويق محسّن لسلعة (هي الشهادة) يطلبها مجتمع مريض (بالمظاهر) يعرضها في السوق تاجر همه الربح (هو الجامعة الربحية).

الرد على هذه التهمة ينطلق من أنّ المبادرة تعترف من البداية بالواقع السيئ ولا ترضى ببقائه ولكنها تتعامل معه بواقعية. المبادرة همها أن تحول طالب الشهادة إلى طالب علم وتعمل على استغلال سنوات العمر التي سيصرفها طلاب الشهادات قبل الحصول على الشهادة في ترقيتهم علميا وثقافيا وتزويدهم بالقدرات والمهارات وفي ترقية العملية التعليمية وفي ترقية القائمين عليها وفي الحصول على إنتاج مفيد للعلم وللمجتمع. المبادرة ستعصر الطالب أثناء الدراسة عصرا. نعم .. طالب الشهادة سيحصل على شهادته ولن يتأخر في الحصول عليها ولكنه سيتعب.. والجامعة الربحية ستحصل على الربح ولكنها ستشعر أنها قد أنتجت. ومع الوقت سيتكون لهذه الجامعة سمعة تجذب طلاب العلم إليها.

2-2-3 المبادرة تتعامل مع المواد الدراسية المختلفة بمكاييل مختلفة

نعم هذا صحيح. الخطة الجامعية تريد من الخريج أن يحقق أمرين: أولا أن يكون متمكنا من تخصصه (يعرف كل زهرة في هذا البستان). ثانيا أن يكون أكاديميا مثقفا في مهارات وعلوم عامة إلى درجة مقبولة (يعرف أزهارا مختلفة في البساتين المختلفة). والخطة تعين مواد دراسية لتحقيق الأمرين. واقع الحال غير مرض في الأمرين. لا الخريج متمكن في مواد تخصصه ولا هو مثقف أكاديمي يتميز عن خريج المدرسة. المبادرة تعترف بهذا الواقع وتعمل على تغييره. وهنا يكون التمييز بين المواد الدراسية ووضع مكيالين لها. المكيال "أ" لمواد التخصص التي ستعتمد مهنة الخريج عليها. هذه المواد لا تهاون فيها والمبادرة تحاول أن تجبر طالب الشهادة على إتقانها إجبارا. وهناك المكيال "ب" للمواد الثقافية العامة التي تُهمل في العادة وينجح الطلاب فيها أتوماتيكيا ويحسنون معدلاتهم عن طريقها والمبادرة تحاول في المحصلة تنويع الأزهار وتكثيرها ولو كان هذا على حساب الوصف الحرفيّ لهذه المواد.

2-2-4 المبادرة تتعدى على المناهج المقرة من وزارة التعليم العالي وعلى تعليماتها وضوابطها

فعلى سبيل المثال مشروع الكتاب المقروء [2] المقترح في تدريس متطلب "مهارات اللغة العربية" سيكون ثقله في العلامات 50%. وفي هذا المشروع سيكون على الطالب أوّلا تحريك نصّ معيّن (مثلا: ترجمة رواية أو مسرحية عالمية) تحريكا كاملا وثانيا مراجعة تحريك زميل ثان وقراءة النصّ وثالثا مراجعة مراجعة زميل ثالث مع نقد للنص يتضمن فحص مدى اختلاف الترجمة عن الأصل الانجليزي. من المؤكد أنك ستجد من يرى رصد 50% من العلامة الكاملة لنشاط خارج الكتاب الجامعي المقرر تعديا على المنهاج وأن المقارنة مع الأصل الانجليزي لا تمت لمهارات اللغة العربية بصلة. إليك هذا المثال الآخر. مشروع الرد على أسئلة Quora Digest المطروحة حول القضية الفلسطينية أو حول الإسلام .. الخ. كيف ستصنف هذا المشروع؟ هل هو مشروع في التربية الوطنية أم في اللغة الانجليزية أم في التربية الإسلامية؟ وماذا عن مشروع تعريب الروايات العالمية المصورة على شكل كوميكس وتحويلها إلى روايات مقروءة مصوّرة؟ وماذا عن مشروع مراجعة مسرحيات البرنامج الثقافي في الإذاعة المصرية؟ وماذا عن مشروع تصحيح وتحريك الترجمة العربية للأفلام (subtitles)؟ كيف تصنّف كل هذه المشاريع؟

الرد: أولا، بالنسبة للمواد التخصصية فالمكيال "أ" يشدد على مبادئ عامة تحترم جدية التعليم الجامعي وتشجع على تحويل طالب الشهادة إلى طالب علم: (لا يجوز تبسيط المادة لتصبح أسهل من مواد المدرسة – لا يجوز حذف فصول كاملة من المنهاج – يجب تجنب الاستثناءات التي تقلل العدد الحقيقي لما يلقى فعليا من محاضرات تعليمية – لا يجوز تلقين الطلاب أسئلة الامتحانات ولايجوز تحديدها – يجب التأكيد على أهمية الواجبات المنزلية وتطوير آليات تضمن أن يقوم بها كل طالب بنفسه مستقلا (أهم آلية هي الأسئلة العشوائية) – يجب الاهتمام بالاختبارات الصفية الصغيرة Quizzes – يجب توفير آليات تمكن الطالب المقصر في الواجبات والامتحانات والكويزات من تدارك نقصه (أهم آلية هي السماح بالتكرار) - ... الخ).

ثانيا، هذه المشاريع المذكورة وغيرها ليست إلا مشاريع مقترحة يتوقع مقترحها أن تكون محققة لمعايير الفائدة والتكلفة وهي جميعا تحتاج إلى المناقشة والنظر وهي جميعا قابلة للتطوير والرفض. جوهر مبادرة الضمير المستريح هو الالتزام بالبحث عن وسائل لتحقيق أكبر استفادة للطالب والمعلم والجامعة والمجتمع والأمة من هذه السنوات التي سيقضيها الطالب في الجامعة. ثالثا، الاستفادة تقديرها النسبي لا يكون إلا بالمقارنة مع الوضع الحالي. بعض الأمثلة التي وردت في الاعتراض (وكلها مشاريع من النمط "ب") تتعلق بخدمة اللغة العربية في مواد عامة غير تخصصية. الوضع الحالي لمستوى الطلاب في اللغة العربية سيئ جدا. والطلاب لا يتعلمون في الجامعة شيئا ويتم تنجيحهم بامتحانات سهلة جدا (بالمقارنة مع امتحان الثانوية العامة مثلا) يكون أحيانا بامتحانات إلكترونية معظم أسئلتها اختيار من متعدد مطلوب من الممتحَن فيها اختيار أحد احتمالات ثلاثة. المشاريع المقترحة تنتبه إلى هذه الحقيقة فتحاول أن تعلم الطالب مهارات عملية في اللغة العربية عن طريق مشاريع تنقية النصوص من الأخطاء وتحريكها وقراءتها. هكذا يتعلم الطالب النحو والصرف والإملاء بشكل عمليّ مباشر ويؤدّي به انخراطه في البحث اللغوي بشكل غير مباشر إلى تنمية مهاراته اللغوية الأخرى. كما يؤدي انشغاله بهذه النصوص إلى تنمية القراءة الواعية الناقدة المتأنية. ولعله سيقارن التركيبات اللغوية في العربية والانجليزية. وسيتعلم بشكل عملي مهارة "مراجعة القرناء" (Peer Review) والعمل التكاملي (كل نص سيعمل عليه ثلاثة طلاب بأدوار ثلاثة متكاملة). ويمكن للمدرسين القيام بأبحاث علمية إحصائية لدراسة مدى التحسين الذي يؤدي إليه مثل هذا المشروع في المجالات المختلفة. يضاف إلى كل هذه النتائج المفيدة أمر في غاية الأهمية هو رفد الجسم اللغوي العربي (Arabic Corpus) بنصوص صحيحة مشكَّلة ومقروءة تكون الأساس في تغذية كل برامج خدمة اللغة العربية وبرامج الذكاء الصناعي التي تفتقد جسما لغويا عربيا قليل الأخطاء. على حسب مقاييس الفائدة والكلفة المذكورة في الفقرة السابقة من المتوقع أن يكون في هذا المشروع فوائد جمة للطالب والمعلم والعملية التعليمية والمجتمع والأمة. هل المشكلة في تبرير 50% من العلامات؟ هذه تفاصيل لا تمس روح المشروع. مقترح المشروع مقتنع بأن علامة أقل من 50% لن تكون مخيفة لطالب الشهادة بالشكل الكافي. من الضروري أن يخاف الطالب الرسوب حتى يتجاوب مع المشروع. من الناحية الرسمية منهاج المادة هو الكتاب المقر وهو موجود إلكترونيا وهو تحت تصرف الطلاب. من غير المتوقع أن تتدخل وزارة التعليم العالي في منع مثل هذا المشروع في الوقت الذي ترضى فيه بالواقع المأساوي.

الأمر الآخر هو امتداد النشاطات إلى خارج المادة الدراسية المتعينة كما كان هو الحال في مشروع الكتاب المقروء الذي كنا في نقاشه الذي قد يمتد في جزء صغير منه إلى اللغة الانجليزية على الرغم من أنه مشروع مقترح لمادة "مهارات اللغة العربية". ما نراه هنا هو أننا يجدر بنا أن نغض البصر عن تجاوزات مثل هذه تعود إلى التوصيف الحرفيّ للمادة وأن ننظر إلى الصورة العامة. كل المشاريع المشار إليها في هذا الاعتراض من النوع الثاني المتعلق بالعلوم العامة. ونتيجتها زهرات من بساتين مختلفة كلها داخلة في روح الخطة الدراسية. وهذه النتيجة أفضل بكثير من الواقع المأساوي. لهذا نحن لا نرى بأسا في أن نحسب هذا المشروع ضمن مادة اللغة الانجليزية حينا وضمن مادة التربية الوطنية حينا آخر.

2-2-5 نهج المبادرة غير صادق ويشجع على اللف والدوران.

فأنت في النهاية (في المواد العامة) تضع منهاجا رسميا لا تأبه به في حقيقة الحال. وأنت تنجّح طالبا لعله كان راسبا في امتحانات المادة المقرة وكانت معظم علاماته من مشاريع خارجية لعله اشتراها، بل لعله يحصّل معك هكذا علامات عالية.

الرد: نحن لا نريد اللف والدوران. ولكن إذا كان هناك من المسؤولين ضيقو أفق يقتلون الأفكار المبتكرة بناء على توصيفات حرفية فنحن سنقدم لهم هذه التوصيفات وليسمها المعترض لفا ودورانا أو ليسمها ما يشاء. أما الصدق فهو أحد أهم ركائز المبادرة. ولهذا تحارب المبادرة شراء المشاريع والرسائل وشراء إجابات الواجبات المنزلية وتدعو إلى إيقاع العقوبة بمن يثبت تورطه في هذا وتحاول تطوير إجراءات تضمن المشاركة الفعلية للطالب في مشروعه مثل قيامه بقراءة النص المطلوب وتسجيل قراءته أو بقيامه بشرح مشروعه أمام زملائه. ولأن المبادرة تحب أن تكون صادقة في العلامات التي تعطى للطلاب فهي تدعو إلى تبني نظام علامات نسبي (يفضل أن يكون بالرموز) يقيم أداء الطالب بالمقارنة بزملائه ولا يقيم أداءه الدراسي المطلق.

2-2-6 المبادرة ستؤدي إلى التخلص من أعضاء كثيرين للهيئة التدريسية متمسكين بالنهج التقليدي

على الرغم من أن بين أعضاء الهيئة التدريسية من لا يحب التصوير بالفيديو ولا الواجبات الإلكترونية، نحن مقتنعون بأن المدرسين المخلصين المتمكنين سيرحبون بالمبادرة ويتداركون ما ينقصهم. من المؤكد أن المبادرة ستشجع على تعيين أعضاء جدد متحمسين متمكنين وعلى استبعاد آخرين غير متمكنين وغير متحمسين. الواقع الذي لا يجوز إنكاره هو أن مستوى مدرسي الجامعات في الجامعات العربية انحدر بشكل واضح إذا قورن بما كان في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن السابق. معظم المدرسين في غير كلية الطب وكلية الهندسة من الذين فشلوا في الثانوية العامة من تحصيل علامات تسمح لهم بدرسة الطب والهندسة. والفساد المستشري في المجتمع والحكومة لا يفلتر المتمكنين الموهوبين الذين يحبون تخصصاتهم بل يوظف صاحب الواسطة. مبادرة الضمير المستريح تدعو بكل وضوح لأن يصبح مدرس الجامعة من النخبة في قدراته وأخلاقه وحس المسؤولية لديه. وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح.

2-2-7 المبادرة لا تزال في طور الأحلام وهناك شك كبير في أن تجتاز امتحان التطبيق الواقعي

فطلاب الشهادات في الجامعات الربحية لا يحبون أن يتعبوا. وإذا وجد فيهم من أحب التعب فأنت تجده يشتغل أثناء دراسته. وهناك محاولات سابقة مختلفة من أساتذة مبادرين اعتمدوا الكويزات الكثيرة والواجبات الإلكترونية والامتحانات الإلكترونية المنزلية والمكررة ونشروا الفيديوات التعليمية وقدموا لطلابهم إغراءات في العلامات حتى يشجعوهم على متابعة المحاضرات العالمية أو الالتحاق بالكورسات العالمية المفتوحة (الموك MOOCs) كلها باءت بالفشل الذريع. ثم إن متابعة أي إجراء جديد في العملية التعليمية تتطلب رصدا للتغذية الراجعة ومعالجة مستمرة فكيف بعشرين إجراء في نفس الوقت.

الرد: حتى لو كان الأمر في طور الأحلام فعلينا أن نحلم ولا نستسلم لهذا الكابوس الذي نعيشه. ليس هناك ما يمنع التجربة. ولكن هناك إشارات تدل على أن نقاطا إيجابية كثيرة ستتحقق بشكل يختلف عن التجارب الفردية المشكورة (التي يمكن إلحاق معظمها بالمبادرة كذلك). هناك أمر تتميز به المبادرة وهو الالتزام الجماعي لمجموع المدرسين وللجامعة (حتى وإن اقتصر الأمر في البداية على كلية أو بضعة أقسام في كلية) لأن الجهود الفردية لا تثمر الكثير، فهي تجارب لا تستمر ولا يلتزم بها كل المدرسين ولا تُشعر بالجدية ويمكن للطالب التفلت منها أو التعامل معها بشكل ما مدة فصل واحد. ثم إن الملاحظ أن كثيرا من طالبي الشهادة مستعدون للتعب والاجتهاد. المهم عند هؤلاء الحصول على الشهادة وهم مستعدون لتقديم 4 سنوات من عمرهم إذا كانوا مقتنعين بقرب نيلها. أما الشغل أثناء الدراسة فلن يكون أمرا حكيما تقبله المبادرة إلا إذا كان أيام العطل أو كان في مجال الدراسة نفسها أو داخل الجامعة في خدمة العملية التعليمية وخدمة المبادرة.

المبادرة كأي خطة عمل نجاحها مقترن بحسن إدارتها. وهذا يتطلب الحكمة والتأني والمتابعة الناقدة للتغذية الراجعة والمعالجة الهادئة المستمرة بدون استعجال ولا تخبط.

2-2-8 المبادرة خليط غير متجانس لنشاطات يقوم بأمثالها المدرسون الواعون المخلصون في كل حين.

بل إن هناك جامعات أقامت مراكز لتحسين وسائل التعلم والتعليم.

الرد: من المؤكد أن المبادرة لا تخترع العجل بل تقرر أمورا يعرفها الكثيرون ويجتهدون في إصلاحها. المبادرة تتميز بأنها تنطلق من حقيقة يعرفها الجميع ويتغافلون عنها. في أوضاع الفساد والكساد التي تعيشها بلادنا يجد خريج الجامعة نفسه في سوق العمل بدون أفق. لا اجتهاده وقدراته العلمية تُقدِّمه على غيره (في ظل سيطرة الواسطة والمحسوبية) ولا القطاع الخاص (في ظل الكساد والانكفاء) يوفر له فرصا لمستقبل مهني واعد. هذا الواقع لم يُثنِ الشباب عن التوجه للجامعات لأن لخرّيج الجامعة وضعا اجتماعيّا (حسب قيم المجتمع السارية) ليس لغيره. النتيجة الطبيعية لهذا الوضع غير الطبيعي هي توجه تيار الشباب إلى الجامعات لا طلبا للعلم وحبا في التفوّق ولكن طلبا لورقة اسمها الشهادة يثبت الطالب فيها مكانة اجتماعية ضرورية (أصبحت على سبيل المثال من شروط المتقدم للزواج) ويحقق الطالب فيها أهم شرط تحتاج إليه الواسطة والمحسوبية عند البحث عن العمل. أصبح في سوق الشهادات طلبٌ تنافست على تلبيته عروض المؤسسات التي تقدم الشهادات، الجامعات الربحية (بل والجامعات الحكومية شيئا ما). وأصبح الأكثرية من طلاب الجامعات طلاب شهادات لا طلاب علم. وصارت المعادلة هي: "أنا أريد شهادة ولا يهمني العلم وسأدفع الأموال.. إذا ماطلتني في منحي الشهادة بسبب تحصيلي العلمي سأتركك وأتوجه إلى جامعة أخرى لا تماطل." بدون الانتباه لهذه الحقيقة فلن تستطيع الجهود المخلصة في العملية التعليمية تحقيق الكثير. وهذا هو شأن مراكز التعليم والتعلم أيضا فهي تساعد المدرسين في تطوير وسائل التعليم ولكنها كلها وسائل تعليم من يريد العلم ويعاني من صعوبات. طالبو الشهادات لا يريدون العلم.

2-2-9 المبادرة لا تكون فعالة إلا بتبني الجامعة الربحية لها وهذا غير متوقع

فالمبادرة ستضطر الجامعة إلى إجراءات كثيرة تزيد من العبء المادي والإداري عليها وتدفع بها من التقاليد الراسخة المعهودة إلى تجارب غير مضمونة يصعب السيطرة عليها. وواقع الحال أن الجميع سعداء بالوضع القائم: طالب الشهادة الذي سيحصل على الشهادة التي يريد، والجامعة التي ستحصل على العائد المادي الذي تريد، ووزارة التعليم العالي التي ستحافظ على الاستقرار الذي تريد.

الرد: المصيبة أن يكون هؤلاء سعداء بهذا الحال (Business as usual) وهم ليسوا كذلك. لا يريد طالب الشهادة بقاء انسداد الأفق في سوق العمل أمامه. ولا تقبل الجامعة بعائد مادي لا يزال يقل عاما بعد عام بسبب المنافسة غير الشريفة من بائعي الشهادات في مختلف دول المنطقة ولا ترضى بأن تقارن ببائعي الشهادات. ولا يمكن أن تكون وزارة التعليم العالي سعيدة بتراجع مستوى خريجي الجامعات وتراجع اعترافات الحكومات المختلفة بشهادات جامعاتها. من المؤكد أن الأمور ستتغير وأن تقييمات خريجي الجامعات ستبنى على أسس علمية موضوعية أكثر صرامة (مثل امتحانات كفاءة محترمة).

الجامعة الربحية التي تبحث عن مصلحتها مستعدة للاستثمار بسخاء في خطط تميّز فيها نفسها عن الجامعات الأخريات وهذا التمييز يمكن أن يكون في القشور والمظاهر ويمكن أن يكون في الجوهر. المبادرة هنا تسعى لتمييز الجامعة في جوهر العملية التعليمية، في روح الالتزام برسالة العلم والتعليم ... بحيث تصبح جامعة ذات لون وطعم ورائحة. والأساس الذي سيمكّن للجامعة هذا التميّز هو المدرّس المخلص المحبّ لرسالته الذي يسعى للقمة عيش كريمة ويسعى للاحترام والتقدير ويسعى للترقي ويسعى لراحة الضمير. وهذا المدرس موجود يبحث عمن يقدّره ويحسن استغلاله. وليس كلام المبادرة هنا في إنشائيات وقصائد، بل هو حقائق عن قوى كامنة ضائعة تحاول المبادرة أن تضع لها آليات تطلقها. والمبادرة تحاول أن تقلص التكاليف وأن تزيد العائد والفوائد. والإجراءات المقترحة على الجامعة لا هي في غاية الصعوبة ولا هي مرهقة ماديا.